“اذهب وأخبر علي بن أبي طالب أن معاوية بن أبي سفيان سوف يأتيك على رأس عشرين ألف رجل لا يُفرقون بين الناقة والجمل”
في صراع معاوية بن أبي سفيان لتأسيس الملك العضوض مع الإمام علي، قدم رجل على ناقة من أنصار الإمام علي للشام حيث يحكم معاوية، فخرج عليه رجل من أنصار معاوية، واستوقفه وصاح هذا جملي فقد مني يوم حرب كذا، فابتسم الرجل الذي هو من أنصار الإمام علي، وقال له يا أخا العرب أنها ناقة وليست جمل، فأصر الرجل على أنه جمله، وقرر الاحتكام إلى معاوية، وحين مثلا بين يديه وقصا عليه الأمر، حكم معاوية للرجل الذي هو من أنصاره بالجمل، كاد صاحب علي يُجن وصاح يا أمير معاوية إنها ناقة!
فابتسم معاوية وأجزل له العطاء، وقال له: اذهب إلى علي بن أبي طالب وأخبره أن معاوية بن أبي سفيان سوف يأتيك على رأس عشرين ألف رجل لا يفرقون بين الناقة والجمل!
تلك ليست حادثة عارضة في التاريخ، فقد عرف التاريخ أشكالًا من الباطل والتزوير والتزييف ومجافاة الحقائق ما يشيب له الولدان.
بعد أكتوبر 73 وحين وضعت الحرب أوزارها تصدر الذين هبروا على حساب الذين عبروا!.
عاد الذين دفعوا فواتير الدم وقد قضوا من عمرهم سنين على جبهات القتال ليجدوا الوطن لم يعد يشبههم أو هم لا يشبهونه، بدا الوطن غريبًا وكأنه جرى سرقته واستبدلوه بوطن غيره، فقد تحولت عناوين مصر بعد أن هزمت السياسة السلاح إلى واجهات مطلية بالفساد وحل الرسم الكاريكاتوري للص المتجول حامل الطفاشة والمفاتيح محل ختم النسر بقانون رأس المال العربي والأجنبي أو ما أُطلق عليه قوانين الانفتاح السداح مداح.
أدارت مصر ظهرها للوطن العربي وتحول العدو إلى صديق وصار مناحم بيجن قائد عصابات اشتيرن صديقي بيجن، وكارتر صديقي كارتر صار الأميركي هو سيد العصر وحولوه لإله وتنكروا للإخوة والأصدقاء.
وصال وجال في بر مصر كمال أدهم مدير الاستخبارات السعودية وصهر الملك فيصل، لم يكن كمال أدهم مجرد رجل استخبارات عادي، فالرجل يعمل وكيل للاستخبارات الأميركية بدرجة مدير للاستخبارات السعودية وتحت تصرفه مليارات الدولارات والارتباطات بين المملكة والأميركي وطيدة منذ اللقاء الذي جمع الرئيس روزفلت والملك عبد العزيز على ظهر السفينة يو اس اس كوينسي، منذ ذلك اللقاء انتقل الولاء السعودي من بريطانيا التي كانت تغرب عنها الشمس إلى إله العصر الجديد.
لعب كمال أدهم الدور الأكبر في فتح العديد من القنوات السرية بين واشنطن والقاهرة.
وجاء هنري كسينجر الذي كان السادات يراهن عليه، وتبعه الرئيس نيكسون، شرَّف نيكسون صاحب فضيحة واتر جيت القاهرة وحشدوا له الجماهير بعد أن بشروهم بأنهار من لبن وعسل ستتفجر في أرض مصر بحلول نيكسون بابا، واصطف فقراء الوطن في انتظار الدقيق الأميركاني والتفاح الأميركاني ولم يكن من نصيبهم سوى الغبار الذي خلّفه القطار الذي حمل نيكسون !
في العام 1974 أفرج السادات بطلب من هنري كسينجر وكمال أدهم والأمير سلطان بن عبد العزيز عن الجاسوس مصطفى أمين المتهم بالتخابر لصالح الولايات المتحدة والذي كتب في 64 صفحة اعترافات مفصلة بأدواره التخابرية وأعماله الخيانوية والتقارير التي كتبها لصالح الاستخبارات الأميركية ومندوبها في القاهرة.
بعدها جرى إقالة الأستاذ محمد حسنين هيكل في يناير 1974 من الأهرام وصدر قرار بعد عشرة أيام بتعيين على أمين شقيق مصطفى أمين مديرًا للأهرام خلفًا للأستاذ هيكل، على أمين الذي ثارت حوله الشبهات في قضية تجسس شقيقه كان قد فر إلى لندن حيث تولت المخابرات البريطانية والمخابرات السعودية رعايته قبل أن يعود للقاهرة مع قرار الإفراج الصحي عن شقيقه، ثم تبع قرار تعيين على أمين في الأهرام قرار بعودة الجاسوس مصطفى أمين لأخبار اليوم، بدا المشهد عبثيًا بامتياز فالقاهرة تغير جلدها وتتنكر لتاريخها وتفتح أبوابها واسعة أمام الجواسيس تماشيًا مع السياسات الجديدة بالإرتماء في أحضان الأميركي ووضع 99% من أوراق اللعب بيده، كانت القرارات تطمينًا لأعداء القاهرة وتأكيدًا لهم بأن مصر المقاومة والتحرر والكرامة والقتال قد انتهت وبدأت الدخول في العصر الأميركي والسعودي، وفتحت القاهرة أبوابها أيضا للحركة الوهابية لتعبث بتدين مصر الوسطي ليسود إسلام مظهري طقوسي غريب على مصر وشعبها يختصر الإسلام في نصوص مشكوك في صحتها أو خارج سياق فهمها التاريخي ولحية وجلباب.
وبدأ الأخوان مصطفى وعلي أمين بالاستعانة بجوقة كتاب كل العصور الذي يأكلون على كل الموائد ولا يعرفون من الشرف سوى أرصدتهم في البنوك ولا من الحق سوء تقديم الولاءات لمن يدفع، يؤجرون أقلامهم وأفكارهم للدولار والريال.
كانت الحملة ممنهجة والهدف اغتيال جمال عبد الناصر أو اغتيال الشخصية وهو أسلوب مخابراتي تعتمده وكالات الاستخبارات بهدف هدم كل قيمة ورمز عبر التشويه والتزييف والتدليس، ولم يكن عبد الناصر هدفًا في ذاته بل ما مثلَّه عبد الناصر وسياساته المعادية للولايات المتحدة الاميركية ومشروعه الوطني العروبي التحرري.
بدا وكأن التاريخ أعاد نفسه فها هو مصطفى أمين يرسل عبر الأوغاد رسائله لجمال عبد الناصر في قبره أنه سيأتيه على رأس عشرين ألف لا يفرقون بين الناقة والجمل!
في كتاب الحرب الباردة الثقافية .. من يدفع للزمار ؟ الصادر عام 1999 وهو واحد من أهم الكتب التي رصدت الصراع البارد بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي رصدت مؤلفته الصحفية الاستقصائية فرانسيس ستونر سوندرز عبر الإطلاع على ما افرجت عنه الاستخبارات الأميركية من وثائق في الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وعام 1967 كيف قامت وكالة الاستخبارات الأميركية بدعم كتاب ومثقفين وتمويل دوريات ومجلات وصحف بهدف مواجهة الشيوعية والحد من تأثيرها بشكل مباشر أو غير مباشر وكانت أخبار اليوم لصاحبها مصطفى امين إحدى تلك الصحف التي تلقت دعمًا من وكالات تابعة للاستخبارات الأميركية.
حين استتب الأمر للأخوين أمين وقادا عبر الأهرام وأخبار اليوم جوقة الأقلام المأجورة للانقلاب على مصر وتاريخها وثوابتها وتركيز هجومهم في إطار برنامج اغتيال الشخصية على جمال عبد الناصر أصدر الجاسوس مصطفى أمين سلسلة كتب عن سنوات سجنه، كانت نموذجًا للتلفيق والتزييف والإفتراء والكذب ولم يقدم فيها دليلًا واحدًا يثبت برائته، لكن صلاح نصر الذي كان قد جرى الإفراج عنه واجهه بكتاب حديث الإفك أثبت فيه بالأدلة والمستندات والصور تجسس مصطفى أمين لصالح الاستخبارات الأميركية نافيًا تلفيق تهمة التجسس له أو تعذيبه في السجن وطالبه برفع دعوى لإعادة محاكمته وهو ما لم يفعله الجاسوس أمين.
حين اشتدت حملة أخبار اليوم أصدر الأستاذ محمد حسنين هيكل عام 1984 كتاب بين (الصحافة والسياسة) أعاد فيه فتح قضية تجسس مصطفى امين في حياته، وقدم فيه من الوثائق ما يؤكد تجسس مصطفى أمين، وطالبه بالرد ونفى وقائع تعذيبه عبر الاستشهاد بصحفيين أحياء في ذلك الوقت أمثال الكاتب اللبناني الكبير سعيد فريحة وغيره، وطالبه الأستاذ هيكل برفع دعوى لإعادة محاكمته ولم يفعل الجاسوس.
الجاسوس مصطفى أمين جرى القبض عليه فى 21 يوليو 1965 متلبسا مع ضابط المخابرات المركزية الأمريكية “بروس تايلور أوديل”.
وقد أثبتت الوقائع والأدلة والتسجيلات عن القضية التى كانت تتابعها المخابرات العامة المصرية أن مصطفى أمين يقوم بالتجسس لصالح وكالة الاستخبارات الأميركية ويقدم المعلومات لضابط الوكالة بروس تايلور أوديل.
الخيط الأول فى كشف عمالة مصطفى أمين لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية جاء من العراق لأن بروس تايلور أوديل مندوب وكالة المخابرات المركزية الأميركية فى القاهرة والذى عمل كضابط ارتباط مع مصطفى أمين وتلقى منه المعلومات أسبوعيًا، حلَّ على مصر مطرودًا من العراق بعد نجاح انقلاب حزب البعث عام 1963 على نظام عبد الكريم قاسم.
كان هناك دور أميركى فى ترتيب هذا الانقلاب، حيث كان هناك جناح من حزب البعث ينسق أعماله مع وكالة المخابرات المركزية الأميركية عبر مندوبها فى العراق بروس تايلور أوديل، وحين لفت نشاط بروس تايلور أوديل أنظار الأجنحة الوطنية في حزب البعث وفى الأجهزة الأمنية العراقية جرى طرده من العراق، وقررت وكالة المخابرات المركزية الأميركية نقل نشاطه إلى القاهرة.
وزير الداخلية العراقي حازم جواد قام بإبلاغ القاهرة بدور بروس تايلور وكونه ضابط استخبارات، وضعت القاهرة تايلور تحت رقابة صارمة وكشفت عن نشاطاته في القاهرة، ليقع مصطفى أمين تحت بصر جهاز المخابرات العامة المصرية بلقاءاته الأسبوعية مع تايلور، وضعت المخابرات معلوماتها على مكتب الرئيس عبد الناصر، الذي قرر متابعة القضية، وجرى ترتيب عملية تسجيل بالصوت والصورة للقاءات مصطفى أمين مع ضابط الاستخبارات الأميركية تايلور وعبر ثمانية شرائط من التسجيل كان فيها الجاسوس مصطفى أمين يرد على تساؤلات تايلور ويقدم ما لديه من معلومات تخص الأمن القومي المصري بل في أحد اللقاءات طلب منه تايلور تسجيل محادثات بينه وبين الرئيس عبد الناصر؛ لتقوم وكالة الاستخبارات الأميركية بتحليل صوت الرئيس والوقوف حول حالته الصحية.
في كتبه المليئة بالأكاذيب وأحاديث الإفك ذكر وقائع عن تعذيبه داخل السجن درجة تعليقه في السقف وهو ما نفاه الفريق محمد رفعت جبريل وكيل جهاز المخابرات الأسبق، وتساءل في دهشة كيف يمكن تعليقه في السقف مع كل وزنه هذا! وأردف في أحد أحاديثه للأستاذ عبد الله إمام أننا لم نكن في حاجة إلى تعذيبه فالقضية مكتملة الأركان وبالتسجيلات والأوراق وقال إن أمين عميل محترف يجيد خلط الأوراق والحقيقة بالخيال، الأمر ذاته أكده الفريق كمال على حسن رئيس وزراء مصر في الثمانينيات والذي شغل موقع رئيس المخابرات في السبعينيات مؤكدًا أنه اطلع بنفسه على ملف القضية التي تؤكد بلا أدنى شك تلبس مصطفى أمين بالتجسس ونفى تعرضه لأي نوع من التعذيب، حتى محامي مصطفى أمين نفى تعرضه للتعذيب، وكذلك شهادة الأستاذ صلاح عيسى الصحفي المعارض الشهير والذي تصادف اعتقاله في فترة حبس أمين نفى تعرضه لأي نوع من التعذيب.
المثير أن مشاهد التعذيب التي أوردها الجاسوس مصطفى أمين مؤسس مدرسة الإثارة والمنشتات في الصحافة جرى نقلها من كتاب غسيل المخ للكاتب الأميركي ادوارد هانتر الصادر عام 1966، والأكثر إثارة أن مصطفى أمين هو من كتب مذكرات الراقصة اعتماد خورشيد وتلقت اعتماد كبشة كبيرة من الدولارات من جهاز استخبارات عربي مقابل مذكراتها لكن ما لم يقله أحد أن التعذيب الذي ذكرته خورشيد أو بالأحرى الذي لفقه مصطفى أمين على لسان اعتماد منقول بالكلمة والحرف والفاصلة من رواية ألمانية بعنوان صاحب اللحية الزرقاء.
في العام 2009 صدر كتاب إرث من الرماد .. تاريخ وكالة المخابرات المركزية الأمريكية للكاتب الأميركي تيم واينر تتبع الكاتب تاريخ وكالة المخابرات الأميركية في الفترة من 1947 وحتى نهاية عهد بوش الابن، الكتاب اعتمد على خمسين ألف وثيقة استخباراتية، وحاز الكتاب على جائزة بوليتزر الأميركية، الكتاب لا يقدم وجهات نظر بل يعتمد على الوثائق، وقد جاء فيه أن ضابط الاستخبارات الأميركية تايلور قد تعرف على مصطفى أمين وقام بتجنيده وأن وكالة الاستخبارات عبر بروس تايلور قد دفعت للصحفي مصطفى أمين مقابل تقارير ومعلومات قدمها وقد جرى وضع مصطفى أمين على جدول معاشات وكالة الاستخبارات الأميركية باعتباره أحد عملائها الذين قدموا خدمات للوكالة.
هذا هو التاريخ الذي يرغبون في طمسه لتشويه الرجل الذي كان جملة استثنائية في تاريخنا، ليبقى الذين لا يفرقون بين الناقة والجمل يرددون أكاذيبهم ويتبنون رواياتهم التي هي من صنع الخيال، وليستمر حديث الإفك والخيانة.