بينما تدخل العملية الأمريكية الإسرائيلية ضد طهران أسبوعها الثالث، يبدو أن “خرائط الدم” في الشرق الأوسط تُعاد كتابتها فوق صفيح ساخن لم تعد المواجهة مجرد “ضربات جراحية” أو مناوشات حدودية، بل تحولت إلى حرب استنزاف كبرى تكسر هيبة “الردع” التقليدي، وتضع العالم بأسره أمام سؤال مصيري: أين ستشتعل الشرارة التي لا يمكن إطفاؤها؟
الرهانات الخاسرة.. لماذا فشلت “الأهداف المعلنة”؟
رغم إعلان الإدارة الأمريكية، بقيادة ترامب، أن الهدف هو تدمير المشروع النووي الإيراني وشل حركة “الأذرع” وصواريخ بعيدة المدى، إلا أن الواقع على الأرض يروي قصة أخرى، فإيران التي راهن الكثيرون على سقوط نظامها تحت وطأة الضربات، لا تزال تُمطر العمق الإسرائيلي بالمسيرات والصواريخ، محولةً حياة المستوطنين إلى “حياة الخنادق”.
وفي هذا السياق، يرى اللواء نصر سالم، المستشار بأكاديمية ناصر العسكرية للدراسات، في تصريحات خاصة لـ “القصة”، أن الأهداف لم تتحقق لسبب عسكري بسيط: “لا توجد حرب تنتهي من الجو طالما لا يوجد احتلال للأرض بقوات أمريكية أو إسرائيلية، فإن الأهداف تظل حبراً على ورق”.
ويؤكد سالم أن إيران تمتلك قدرات هائلة لخوض “حرب غير متماثلة”، تضرب من خلالها “اللحم الأمريكي المتناثر” في قواعد الخليج كلما اشتد الخناق عليها.
سلاح “النيران” ومضيق هرمز.. من يملك مفتاح الإغلاق؟
لم يعد إغلاق مضيق هرمز بحاجة إلى أساطيل ضخمة؛ فإيران أعلنت بوضوح أنها قادرة على خنق الملاحة الدولية أمام السفن الإسرائيلية والأمريكية، ليس فقط بالزوارق المسيرة أو الألغام، بل بـ “النيران” من داخل أراضيها.
يقول اللواء نصر سالم: “أمريكا عاجزة حتى الآن عن إسكات مصادر النيران الإيرانية، وإغلاق المضيق يعني دخول الاقتصاد العالمي في نفق مظلم يدفع ثمنه الجميع، مما يفرض على المجتمع الدولي ضرورة التدخل لفرض مائدة التفاوض، لأن استمرار النزيف يعني خسارة الكل”.
الشوارع والملاجئ
على الجانب الآخر من المشهد، تبرز مفارقة لافتة يرصدها د.حامد جبر، المحلل السياسي؛ فبينما يخرج الإيرانيون إلى الشوارع دعماً لصمود دولتهم، يقبع الإسرائيليون في الملاجئ خوفاً من “عصابة” تحكمهم بتقديرات خاطئة.
ويوضح جبر لـ “القصة” أن “الجغرافيا والتاريخ منحا إيران حصانة طبيعية بجبالها الشاهقة واتساعها، ما يجعل الرهان على سقوطها عسكريا مقامرة خاسرة”.
ويضيف أن تنفيذ واشنطن لإملاءات “نتنياهو” في المنطقة اصطدم بصخرة الواقع، مما دفع دولاً خليجية مثل السعودية وقطر لإعادة التفكير في جدوى وجود القواعد العسكرية الأجنبية على أراضيها، بعد أن تيقنت أن دورها هو حماية الكيان الصهيوني وليس حماية أمن المنطقة.
المفاوضات الصعبة.. شروط “لاريجاني” وضغوط الميدان
هل نحن أمام مخرج سياسي؟ يوضح المصدران أن التفاوض قد يبدأ من “سقف المطالب القصوى”، فالمباحثات التي تجريها دول المنطقة، وصمتها تجاه الضربات الإيرانية، يُنظر إليها كتمهيد لوقف إطلاق النار لكن هذا النجاح مرهون بقبول شروط طهران التي وضعها “لاريجاني”، المسؤول البارز في الحرس الثوري.
بينما تواصل إسرائيل الضرب في “الخاصرة الرخوة” بجنوب لبنان لمحاولة تحييد حزب الله، يظل الميدان هو الحاكم فالحرب التي “جرجر” فيها نتنياهو ترامب، بدأت تآكل أرواح الجنود الأمريكيين وتستنزف اقتصاديات كبرى، ما يجعل من اتساع رقعة الصراع خطراً وجودياً يتجاوز حدود الشرق الأوسط ليصل إلى قلب النظام العالمي.
المنطقة الآن تقف بين خيارين؛ إما “تراضي” ينطلق من نقطة قوة إيرانية واعتراف أمريكي بحدود القوة، أو انفجار كلي سيبدأ من البحار والمضايق ليحرق ما تبقى من استقرار عالمي.