في مشهدٍ سريالي يختصر حالة الفوضى المنظمة التي تتقنها واشنطن، حبست المنطقة أنفاسها أمام “قنبلة” دبلوماسية ألقاها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: “مهلة 5 أيام للتفاوض”، تصريح جاء كالصاعقة بعد ساعات من التهديدات المزلزلة بقصف البنية التحتية و النفطية الإيرانية لكن، خلف هذا الستار من “الدبلوماسية المفاجئة”.
فهل نحن أمام مسار حقيقي لإنهاء الحرب، أم أنها “خديعة القرن” لرأب صدع الدفاع الجوي الأمريكي والتقاط الأنفاس بعد ضربات إيران الموجعة؟ هل يتلاعب ترامب بالوسطاء ليقول ما لا يفعل، أم أنه يسعى فعلياً للنزول من “فوق الشجرة”؟
فماذا يدور خلف “مهلة الخمسة أيام” وشروط ترامب الـ 15 التعجيزية.
“تكتيك الوقت” والبحث عن جدول أعمال
يؤكد الدكتور أحمد كامل بحيري، الباحث السياسي، في تصريحاته الخاصة لـ “القصة”، أن هذا السلوك هو “ماركة مسجلة” لترامب، موضحا أن الرئيس الأمريكي “يقول الشيء ونقيضه في نفس التصريح، وليس فقط في نفس اليوم” هذا التلاعب السياسي ليس موجهاً فقط للخصوم في طهران، بل هو رسالة متعددة الاتجاهات؛ جزء منها موجه للداخل الأمريكي القلق من كلفة الحرب، والجزء الآخر موجه للأسواق العالمية التي ترتعد فرائصها مع كل تهديد يمس إمدادات الطاقة.
ويرى بحيري، أن ما نراه اليوم من “اتصالات” هو نتيجة طبيعية لحتمية النهايات في أي صراع مسلح؛ “فلا توجد حرب مدى الحياة، وأي حرب لابد أن تأتي لنقطة معينة وتصل إلى اتصالات مباشرة بغض النظر عن النتيجة”، هنا يضع بحيري يده على “عصب” الحقيقة؛ فالوساطة المصرية والباكستانية والتركية والقطرية، وحتى دخول الروس على الخط، يؤكد أن الـ 72 ساعة الماضية كانت “ماراثوناً” من الرسائل المتبادلة خلف الكواليس.
ويطرح بحيري تساؤلا: هل هذه المهلة حقيقية؟ هو يعتقد أن الـ 5 أيام ليست مدة كافية لإجراء تفاوض حقيقي حول 15 بنداً معقداً تشمل “النووي و الصاروخي والدور الإقليمي” إذاً، ما هي الحقيقة؟ الحقيقة في نظر بحيري هي أننا أمام محاولة “للوصول إلى قدرة على بناء حسن النوايا” الخمسة أيام هي مجرد “جس نبض” للاتفاق على جدول أعمال، فإذا نجح الوسطاء، سنرى تمديداً للمهلة، لأن الملفات المطروحة تحتاج لأسابيع وشهور، خاصة وأننا نتحدث عن “تفاوض تحت النار”؛ حيث الصواريخ الإيرانية تنطلق والعدوان الأمريكي مستمر.
لغة الأرقام والسندات.. لماذا تراجع ترامب عن “الحافة”؟
بينما يراقب الجنرالات شاشات الرادار، يراقب ترامب شاشات “بلومبرج” و”وول ستريت” هذه هي الحقيقة التي كشفها علاء السعيد، الخبير في الشأن الإيراني، لـ “القصة” قائلاً إن المهلة ليست مجرد استراحة محارب، بل هي “طوق نجاة” للاقتصاد الأمريكي الذي بدأ يترنح تحت وطأة الديون المليارية وتقلبات أسعار النفط.
ويشير السعيد إلى أن “الأزمات لم تعد تدار فقط بالصواريخ بل بالأرقام أيضاً”، ترامب يدرك أن أي ضربة لمنشآت الطاقة الإيرانية ستؤدي إلى قفزة جنونية في أسعار البرميل، وهو ما سيفجر التضخم في الداخل الأمريكي ويقضي على وعوده الانتخابية بالازدهار الاقتصادي، وان الضغط الحقيقي على ترامب يأتي من “سندات الدين العام وتقلبات العوائد”.
ويضيف السعيد بأن رؤية استراتيجية حول “إدارة الوقت”؛ فالمهلة هي أداة متعددة الأبعاد:
- إعادة ترتيب دفاعي: لإعطاء فرصة لمنظومات الدفاع الجوي “التي تضررت من ضربات إيران الموجعة” لالتقاط الأنفاس.
- تهدئة للأسواق: لامتصاص الصدمات المالية قبل حدوث انهيار شامل.
- إدارة إيقاع الأزمة: لمنع انفجار الموقف بشكل يخرج عن السيطرة الاقتصادية.
“النزول من فوق الشجرة”.. مخرج الـ 48 ساعة والهروب من الجحيم
ليس سراً أن الإدارة الأمريكية الحالية تُدار بعقلية “الصدام السريع”، وفي هذا الصدد كشف أسامة حمدي لـ “القصة” أن مهلة الـ 5 أيام لم تكن اختياراً استراتيجياً بقدر ما كانت “مخرج طوارئ” لترامب بعد تهديده المتهور بقصف البنية التحتية و النفطية لإيران خلال 48 ساعة.
ويقول حمدي: “ترامب وجد نفسه في ورطة؛ فالتهديد بقصف منشآت الطاقة الإيرانية سيقابل برد مماثل يستهدف منشآت الطاقة في إسرائيل والخليج، وهو ما يعني انهياراً كاملاً للاقتصاد العالمي، وهو أمر لا يتحمله أي رئيس أمريكي، وخاصة ترامب الذي يراهن على الأسواق”، هذا الربط الذي يقدمه حمدي يفسر لماذا لجأ ترامب للوساطة عبر “قناة قاليباف” التي فتحتها مصر وتركيا وباكستان لقد تحولت المهلة من “إنذار” إلى “قارب نجاة”.
ويضيف حمدي أن التحضيرات لاجتماع إسلام آباد “فانس، وويتكو، وكوشنر”، معتبراً إياها محاولة حثيثة للنزول من على الشجرة. إنها ليست مجرد مناورة، بل هي اعتراف ضمني باستحالة الحسم العسكري البري، موضحا أن أمريكا لن تقدم على نشر قوات برية أو حتى احتلال بعض الجزر الإيرانية، لأن ذلك يعتبر من المستحيل في ظل وجود أكثر من مليون مقاتل في إيران من الجيش والحرس الثوري”.
ويرى حمدي “الحشد البري” خرافة روجت لها بعض الأبواق، وإنه يرى المهلة فرصة للتفاوض وإيجاد مخرج لترامب من حربه الفاشلة التي افتقدت للمبررات المنطقية، حتى وإن كان ترامب “فاقداً للمصداقية”، إلا أن الواقع يفرض عليه الجلوس على الطاولة.
ويختم حمدي رؤيته: “الحرب العالمية الأولى والثانية وكل الحروب انتهت بالجلوس على طاولة المفاوضات لكن من يفرض شروطه؟ هو من يحقق مكتسبات ميدانية اليوم، الطرفان يقدمان شروطاً غير منطقية، لكن باب التفاوض مفتوح ولا يمكن إغلاقه”.