في قلب محافظة الغربية تقع قرية مسجد وصيف، تلك القرية التي قد تبدو هادئة وبسيطة للوهلة الأولى، لكنها تخفي قصصًا كثيرة عن كفاح أهلها للحفاظ على قيمهم وموروثهم الديني والاجتماعي.
هنا، حيث تربّت أجيال على احترام الموتى وحفظ كرامتهم، تحولت المقابر في الآونة الأخيرة إلى مساحات مهملة، أحيانًا يُستغل فيها الميت لأغراض خاطئة مثل أعمال السحر وتعاطي المخدرات.
ما بدأ كفكرة بسيطة من رابطة شباب مسجد وصيف لحملة نظافة وتقليم الأشجار، سرعان ما تحول إلى معركة حقيقية لاستعادة حرمة المقابر وحماية المجتمع من ظواهر خطيرة. الشباب هنا لم يكتفوا بالتنظيف، بل أدركوا أن ما خلف الأوساخ والغبار ليس مجرد مظهر مهمل، بل مؤشر على اختراق سلوكيات منحرفة تهدد أمن القرية وسلامة أهاليها.
يقول عادل عوض أحد المتطوعين لـ”القصة”: “الصمت أو تجاهل الأمر هو ما منح هؤلاء المفسدين المساحة للتمادي… نحن لا ننظف فقط المكان، بل نطهره معنويًا، ونذكر الجميع بأن المقابر لها حرمة عظيمة في ديننا”.
الحملة، التي أشرف عليها عبد المنعم رضا، ومحمود موافي، وعدد من شباب القرية المتطوعين، لم تكن مجرد تنظيف للأرض، بل تحركًا توعويًا ودينيًا واجتماعيًا، يهدف إلى إعادة الروح إلى المقابر وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن حرمتها وأهمية الحفاظ عليها. هذه المبادرة ليست عملًا تطوعيًا عابرًا، بل تأكيد على الدور الفاعل للشباب في حماية المجتمع ومواجهة السلوكيات المنحرفة قبل أن تتفاقم آثارها.
في قرية مسجد وصيف، حيث الماضي مرتبط بالاحترام والعادات والتقاليد، جاء هؤلاء الشباب ليثبتوا أن العمل الصامت والخيري يمكن أن يكون أقوى من أي قانون أو إنذار، وأن حماية حرمة الموتى ليست مجرد واجب ديني، بل مسؤولية جماعية تحمي الأحياء أولًا.
البداية كانت مجرد نظافة
أوضح عادل أن “الحملة قامت في البداية من رابطة شباب قرية مسجد وصيف، واستكملناها بمشاركة شباب القرية. في البداية كانت مجرد حملة نظافة بسيطة، لأن المقابر بيوت الموتى ومكان للتعظ والهدوء، ولها حرمة عظيمة في ديننا ومجتمعنا”.
وأضاف أنه: “ولكن مع بدء أعمال النظافة اكتشفنا للأسف أن بعض المقابر تحولت مؤخرًا إلى بؤر لبعض الظواهر الخطيرة التي تهدد أمن وسلامة المجتمع، حيث وجدنا بعض أعمال السحر وأدوات متعلقة بالإدمان. هذه النقطة في غاية الأهمية، لأن الصمت أو التجاهل منح هؤلاء المفسدين مساحة للتمادي، وانشغال الناس بحياتهم اليومية أمر طبيعي، لكن عندما يتحول الانشغال إلى غضّ بصر عن جرائم تُرتكب في حق الموتى والأحياء، يصبح الأمر خطرًا يهدد الجميع”.
حرمة المقابر بين الدين والمجتمع
وأكد أن قضية انتهاك حرمة المقابر قضية شائكة تتداخل فيها الأبعاد الدينية والاجتماعية والأمنية، ولا يمكن حصرها في سبب واحد فقط، بل هي نتاج تضافر عدة عوامل أدت إلى تجرؤ البعض على هذا الفعل. وبالطبع، معظم الناس يحترمون المقابر، لكن هناك فئة قليلة منبوذة مجتمعيًا وقانونيًا تتصرف بشكل منحرف.
وأشار إلى أنه بالرغم من بشاعة هذه الأفعال، فإن اكتشاف السحر أثناء التنظيف أدى إلى نتائج إيجابية، أبرزها زيادة الوعي بين الناس بضرورة الاهتمام بمقابر ذويهم وعدم تركها عرضة للعبث، وتعزيز التكاتف المجتمعي، حيث تحولت الحملة من مجرد نظافة إلى “تطهير معنوي” للمقابر، مما زاد من إصرار المتطوعين على الاستمرار.
البيئة المهملة حاضنة للانحراف
وقال عوض إن البيئة المهملة هي الحاضنة المثالية للسلوكيات المنحرفة، وأن غياب المبادرات الشعبية لتنظيف وإنارة المقابر يحولها من مكان للسكينة والزيارة إلى منطقة معزولة، وهذا العزل هو ما يبحث عنه الخارجون عن القانون أو التقاليد.
وأكد أن تراجع الدور المجتمعي في حماية الأماكن المقدسة، وخاصة المقابر، ظاهرة مقلقة تعكس تحولًا في العقد الاجتماعي غير المكتوب بين الناس وأماكنهم المشتركة. وهذه الظاهرة ليست مجرد كسل، بل نتيجة تشابك عدة عوامل جعلت الفرد ينسحب من مسؤوليته تجاه هذه الأماكن، كما أدى التراجع عن الحماية الاجتماعية إلى الاتكالية على “الرسميات”، حيث اعتقد البعض أن حماية المقابر مسؤولية الدولة أو الحي أو الأمن فقط.
الشباب حجر الزاوية لإعادة الهيبة
وأوضح أنه كما تغيرت الروابط الاجتماعية، ففي الماضي كانت المقابر تخص العائلة أو القبيلة، وكان الدفاع عنها جزءًا من الشرف العائلي، أما الآن ومع التحضر السريع وانتقال الناس إلى المدن الكبرى، ضعفت هذه الروابط وأصبح شعور الشخص بصلة أقل بالمكان ككل. وهناك أيضًا خوف من المواجهة، حيث يخشى البعض التعامل مع المفسدين مثل المدمنين أو مرتكبي السحر خوفًا من الأذى، خاصة في ظل غياب التنسيق مع الجهات الأمنية.
ووجه رسالة قال فيها: “نتمنى مساهمة أكبر من الجمعيات الخيرية وروابط الشباب، فهي حجر الزاوية لإعادة الهيبة للمقابر وتصحيح المفاهيم المغلوطة. هذه الكيانات لا تمثل مجرد قوة عاملة للتنظيف، بل منصة توعوية لتغيير فكر المجتمع من الاتكالية إلى المبادرة، وتصحيح المفاهيم الدينية والاجتماعية بالتعاون مع رجال الدين المعتدلين”.
وأضاف أن المقابر ليست مكانًا للمخاوف، بل مكان للعبرة والهدوء، وتدنيسها بالسحر أو الإهمال هو إثم شرعي وجريمة اجتماعية، وأن تنظيف القبر جزء من إكرام الميت، وأعمال السحر لا تملك نفعًا ولا ضررًا بذاتها، بل تطهير المقابر منها فعل إيماني يزيل الأوهام ويؤكد على حرمة الميت كما حرمة الحي.
خطة متكاملة لمواجهة الظواهر السلبية
وقال عوض إن تنظيف المقابر ليس مجرد عمل بدني، بل فعل إنساني وديني يعكس الوفاء والاحترام والوعي المجتمعي. كما أن لديهم خطة لمواجهة الظواهر السلبية مثل أعمال السحر وتعاطي المخدرات داخل المقابر، تشمل التوعية الدينية والاجتماعية، والإجراءات الأمنية، والتطوير العمراني. وأكد أن الهدف الأساسي هو حماية الأحياء أولًا، لأن السحر في جوهره لا يستهدف الميت، بل يستخدم جسد الميت أو القبر كوسيط لإيذاء شخص حي، وغالبًا لتعطيل رزق أو تفريق زوجين أو التسبب في ضرر لشخص على قيد الحياة.




