حين أعلن فوز “زهران ممداني” بمنصب العمدة في مدينة نيويورك، كانت العناوين تتحدث عن الشاب ذي الأصول الإفريقية الذي دخل السياسة من باب العدالة الاجتماعية، لكن خلف هذا الاسم، يقف إرث فكري عميق لوالده محمود ممداني، أحد أبرز المفكرين الاشتراكيين والنقاد السياسيين في العالم المعاصر.
ربما لم يكن المشهد في نيويورك سوى امتداد لفكرةٍ بدأت قبل عقود في قاعات الجامعات الإفريقية: فكرة أن الجنوب العالمي يملك الحق في أن يروي قصته بنفسه.
الأب الذي علمنا أن نفكر لا أن نُصفق
من يقرأ كتب محمود ممداني والد عمدة نيويورك يشعر أنه لا يكتب ليرضي أحدًا، فهو المثقف الذي اختار طريق النقد بدل التطبيل، والبحث بدل التبرير.
ولد في أوغندا، لكنه تجاوز حدود الجغرافيا، ليصبح صوته صدى لكل من يعيش على هامش العالم، ومع كل كتاب أصدره، كان يخلخل فكرة راسخة ويعيد صياغة الأسئلة: من يصنع الإرهاب؟ من يحدد معنى المواطنة؟ ومن يملك حق الكلام باسم الإنسانية؟
المواطن والرعية
في كتابه “المواطن والرعية: أفريقيا المعاصرة وتراث الكولونيالية المتأخرة”، يقف ممداني أمام أكثر الأسئلة حساسية في تاريخ إفريقيا: هل انتهى الاستعمار فعلاً؟
إجابته كانت صادمة ومقنعة في الوقت ذاته: الاستعمار لم يرحل، بل أعاد إنتاج نفسه داخل مؤسساتنا، فما زالت فكرة التمييز بين المواطن (ابن المدن) والرعية (ابن الريف) تحكم بنية الدولة الحديثة، بما فيها تلك التي نالت استقلالها سياسياً.
قوة هذا الكتاب في أنه لا يتعامل مع الماضي كتاريخ منتهى، بل كحاضر مستمر، يُعيدنا ممداني إلى فكرة أن العدالة ليست في رفع الأعلام فقط، بل في بناء دولة لا تفرق بين أبنائها على أساس الأصل أو الانتماء القبلي ومع ذلك، يُلام أحياناً على أنه غاص في جذور المشكلة أكثر مما حاول رسم طريق واضح للحل.
المسلم الصالح والمسلم الطالح
ينتقل ممداني في كتابه “المسلم الصالح والمسلم الطالح: أمريكا وصناعة الحرب الباردة وجذور الإرهاب” إلى ميدان آخر أكثر اشتعالًا، هو العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي.
يُفكك هنا أسطورة “الإرهاب الإسلامي” ليكشف أنه في جوهره صناعة سياسية أمريكية بدأت في زمن الحرب الباردة، حين جرى توظيف الدين كسلاح ضد الخصوم، بلغة هادئة لكنها قاطعة، يشرح كيف تحولت السياسة إلى مصنع للإرهاب، وكيف صيغت صورة “المسلم الجيد” الذي يخدم المصالح الغربية، مقابل “المسلم الشرير” الذي يُصنف كعدو.
ميزة هذا العمل أنه لا يقع في فخ التبرير ولا الدفاع، بل يقدم قراءة نقدية عميقة مبنية على وثائق وشواهد من قلب السياسة الأمريكية نفسها، ورغم أن بعض النقاد رأوا فيه تركيزاً مفرطا على مسؤولية الغرب، إلا أن ممداني قدم ما يشبه المرآة الفكرية التي تجبر القارئ على مواجهة أسئلة uncomfortable لا يجرؤ كثيرون على طرحها.
دراسات أفريقية.. الديمقراطية تلتقي بالحلم الشعبي
في كتابه الثالث “دراسات أفريقية عن الحركات الاجتماعية والديمقراطية في إفريقيا والعالم العربي”، يعود ممداني إلى روح التفاؤل، محاولا قراءة الحركات الشعبية بوصفها تعبيراً عن الوعي الجمعي والرغبة في التغيير من أسفل الهرم إلى أعلاه.
يرى أن الديمقراطية الحقيقية لا تمنح، بل تنتزع، وأن الحركات الاجتماعية — رغم هشاشتها أحياناً، هي البذرة الأولى لأي تحول ديمقراطي حقيقي.
هنا يلتقي النقد الأكاديمي بالحلم الإنساني، في مزيج يميز ممداني عن غيره من منظري السياسة، وربما لهذا السبب ظل حضوره في الدوائر الفكرية الإفريقية والعربية مؤثرا حتى اليوم.
فكر لا يعرف الحدود
من يقرأ أعمال محمود ممداني يكتشف أنه لا يفصل بين التاريخ والسياسة، ولا بين المحلي والعالمي، فهو يكتب من الجنوب للعالم، لا من الهامش إلى المركز.
يستخدم أدوات البحث الأكاديمي ليقول ببساطة: إننا ما زلنا نعيش في عالم غير عادل، تدار فيه السياسة من الشمال وتدفع كلفتها في الجنوب، منهجه الفكري يقوم على تحليل الجذور بدل الظواهر، والربط بين الماضي والحاضر لفهم من أين جاءت أزماتنا وكيف يمكن أن نواجهها، ولهذا أصبح اسمه مرجعاً لا يمكن تجاوزه في دراسات ما بعد الاستعمار.
من القاعة إلى الشارع
عندما صعد زهران ممداني إلى المشهد السياسي الأمريكي، لم يكن الأمر مجرد فوز انتخابي، كان امتدادا طبيعياً لفكر تشبع بالعدالة والمساواة والمقاومة السلمية.
الابن، الذي نشأ في بيت يؤمن بأن المعرفة طريق التحرر، نقل هذا الإيمان إلى الميدان، ليثبت أن الفكر يمكن أن يتحول إلى سياسة، وأن الخطاب النقدي يمكن أن يجد له مكاناً داخل مؤسسات الحكم.
إنها لحظة رمزية تجمع بين جيلين: الأب الذي حفر عميقاً في بنية الاستعمار ليفهمه، والابن الذي اختار أن يواجه نتائجه بالفعل.
لماذا نقرأ ممداني اليوم؟
لأن العالم الذي وصفه ما زال قائماً، ما زلنا نرى “المواطن” و”الرعية” في دولنا الحديثة، وما زال خطاب “المسلم الطالح” يعاد إنتاجه في الإعلام والسياسة، وما زالت الديمقراطية تختزل في صناديق انتخاب لا تمس جوهر العدالة.
قراءة ممداني اليوم ليست ترفاً ثقافياً، بل ضرورة لفهم كيف صيغت أزماتنا بطريقة تجعلنا نظل ندور في الدائرة نفسها.
ربما كان زهران ممداني اليوم هو الاسم الأكثر تداولًا في الأخبار، لكن القصة الأعمق تبدأ من والده؛ من الكتب التي فتحت نوافذ جديدة على فهم العالم، من فكر لم يكتف بالأسئلة السهلة، بل ذهب إلى الجذور.
بين الأب والابن، تمتد خيوط حكاية واحدة: أن التغيير الحقيقي يبدأ بفكرة، ثم يتحول إلى فعل.
في زمن يعيد إنتاج الظلم بأشكال جديدة، يبقى صوت محمود ممداني تذكيرًا بأن الوعي هو أول أشكال المقاومة، وأن الجنوب العالمي، الذي حاولوا إسكات صوته طويلاً قد وجد من يرويه بلغته، وبمنطقه، وبكرامته.