لم يعد اتهام إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة مجرد موقف سياسي أو بيان إدانة عابر، بل تحول إلى مسار قانوني دولي تتسع دائرته يومًا بعد آخر، فبعد الدعوى التي رفعتها جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، أعلنت بلجيكا رسميًا طلبها الانضمام إلى القضية، في خطوة تعكس تحولات لافتة داخل الموقف الأوروبي، وتفتح تساؤلات عميقة حول ما إذا كان هذا التحرك يمثل تصعيداً قانونياً حقيقياً أم مجرد تطور نظري لا يرقى إلى مستوى الفعل.
وفي هذا السياق، يرصد “القصة” دلالات الخطوة البلجيكية وانعكاساتها السياسية والقانونية، من خلال آراء مصدر دبلوماسي بارز، وآخر متخصص في العلوم السياسية.
تصعيد قانوني أم تطور نظري؟
صرح السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن طلب بلجيكا الانضمام إلى دعوى جنوب أفريقيا يؤكد وجود تطورات في الوعي الأوروبي تجاه ما يجري في غزة، وإن كان هذا التطور لا يزال في إطاره النظري حتى الآن.
وأوضح لـ”القصة” أن طلب بلجيكا الانضمام إلى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل يعكس حالة استياء شديدة جدًا داخل الاتحاد الأوروبي، مشيرًا إلى أن البيان المشترك الذي صدر عن الاتحاد الأوروبي بشأن المستوطنات، خاصة المستوطنات الجديدة، يؤكد وجود تطورات جديدة في الموقف الأوروبي، لكنها لم تتحول بعد إلى إجراءات عملية واضحة.
وأضاف أن التساؤل المطروح حاليًا يتمثل في ما إذا كانت محكمة العدل الدولية ستصدر إدانة مباشرة لإسرائيل، أم ستظل القضية قيد البحث لفترة طويلة إلى أن تنتهي الأزمة، ثم يبدأ التدخل الغربي مجدداً، وأكد أنه رغم ذلك، فإن ما يحدث يمثل تطورا كبيرًا للغاية، وعلى الدول العربية أن تستثمر هذه المواقف لصالح القضية الفلسطينية.
طلب بلجيكا تصعيد قانوني
وأشار السفير رخا إلى أن طلب بلجيكا الانضمام إلى دعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل يعد تصعيداً قانونياً، لافتاً إلى أنه سبق الإعلان عن التزام بعض الدول بتنفيذ قرارات المحكمة الجنائية الدولية بحق بنيامين نتنياهو بصفته رئيس وزراء إسرائيل، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، وهو ما يعني الانضمام إلى المسار القانوني باعتباره صادرا عن محكمة دولية، وليس محكمة بلجيكية أو أوروبية.
هل كسرت بلجيكا الصمت الأوروبي؟
وأضاف رخا أن انضمام بلجيكا لا يعد كسرا لحالة الصمت الأوروبي بقدر ما هو امتداد لتغيرات بدأت منذ منتصف عام 2024، نتيجة ما وصفه بعملية الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل في قطاع غزة.
وأوضح أن الموقف الأوروبي لم يعد كما كان في بداية الأزمة عقب عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023، حين اندفعت الدول الأوروبية لحشد الأساطيل وتقديم الأسلحة لإسرائيل في موقف عكس حالة خوف شديد عليها، بينما يشهد اليوم تغيراً واضحاً، يتجلى في تصويت هذه الدول لصالح قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تحمل إدانات ضمنية وتطالب بوقف العمليات في غزة والضفة الغربية، والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقه في إقامة دولته، وهو القرار الذي صوتت لصالحه أغلب الدول الأوروبية.
ضغط معنوي لا سياسي
وتابع السفير رخا أن طلب بلجيكا الانضمام إلى دعوى جنوب إفريقيا لا يمثل ضغطا سياسياً حقيقياً على إسرائيل، بقدر ما هو ضغط معنوي، مؤكدا أن إسرائيل تاريخياً لا تعطي اعتبارا إلا للواقع على الأرض، وأن الولايات المتحدة الأمريكية تساعدها في ذلك.
وأوضح أن التأثير العملي لمثل هذه الخطوات غير مرتبط إلا بتوقيع عقوبات، وهو ما لم يحدث حتى الآن، معتبرًا أن ما يصدر من قرارات وبيانات وتصريحات اعتادت إسرائيل التعامل معه وتفعل عكسه، ما يجعل التأثير الفعلي محدودا، لكنه ينعكس معنويا في تصاعد الكراهية ضد إسرائيل داخل المجتمعات الغربية، سواء في الجامعات أو من خلال ما وصفه بـ”الذئاب المنفردة”، وهو ما يظهر تغيرا في المزاج العام تجاهها.
مواجهة لا تحول سياسي
وأكد رخا أن الخطوة البلجيكية لا تمثل تحولا سياسياً كاملا، بل مواجهة لما تقوم به إسرائيل، مشيرًا إلى أنه في حال توقفت إسرائيل عن ممارساتها، وانسحبت من قطاع غزة، وبدأت عملية سلام حقيقية، ستعود العلاقات الطبيعية بينها وبين بلجيكا والدول الأوروبية الأخرى، خاصة في ظل وجود جالية يهودية قوية في بلجيكا، وعلاقات اقتصادية وتجارية متشابكة، لا سيما في تجارة الماس.
أوروبا تخشى على مصالحها
واختتم السفير رخا تصريحاته قائلاً، إن هناك تغيرا نسبياً في الموقف الأوروبي نتيجة تمادي إسرائيل، حيث تخشى أوروبا من تأثير ممارسات إسرائيل على مصالحها، وعلى استقرار المنطقة، وما قد ينتج عن ذلك من لاجئين، وعمليات إرهابية، وعدم استقرار في جنوب المتوسط.
وأضاف أن ما تقوم به إسرائيل في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا يضر بالمصالح الأوروبية، مؤكدًا أن إسرائيل باتت تعاني من عزلة متزايدة، وأن ما قدمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم ينجح في إنهاء هذه العزلة. وشدد على أن محكمة العدل الدولية ليست ساحة صراع سياسي، بل هيئة قضائية تطبق القانون الدولي، وإن كانت تتأثر أحياناً بعوامل سياسية وضغوط، مشيرًا إلى أنها أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة.
تطورات الوعى الأوروبي والغربي
ومن جانبه قال الدكتور أيمن الرقب المتخصص فى العلوم سياسية لـ “القصة” أن إعلان دعوة بلجيكا لطلب الانضمام لجنوب أفريقيا ضد اسرائيل يؤكد وجود تطور في وعي الدول الغربية، بالتحديد الدول التي قد تصنف نفسها الدول الديمقراطيه، وترى ما اقترفه الاحتلال، وقد نجد العديد من الدول ستنضم لهذه الدعوه، نتيجة لما تتعرض له غزة من حرب إبادة جماعية.
الإبادات الجماعية وضعت إسرائيل في عزلة
وأكد الرقب، أن الطوق يضيق على الاحتلال الإسرائيلي وقد قال ذلك ترامب بشكل واضح، كما وصف إسرائيل بأنها تعاني من عزلة ووعد بأنه سيعيدها إلى مكانها الطبيعي، ولكن لا يستطيع أن يفعل ذلك، لأن نتنياهو ما زال يمارس الإجرام بكل معنى الكلمة.
14 دولة غربية ضد الاستيطان
واختتم الرقب حديثه قائلا: “خلال الأيام الماضيه حوالي 14 دولة من الدول الغربية تطالب بشكل كبير بوقف الاستيطان في الضفة الغربية، وتطالب محاكمة الاحتلال، وهذا تطور مهم جدا وهذا التطور لا يقل تاثيرا حول مستقبل العلاقة بين الدول الأوروبية والاحتلال الإسرائيلي. العالم مع الوقت سيكتشف حجم الإجرام الذي يمارسه الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني، وحجم الإجرام الذي إذا لم يتوقف لن تكون الأمور سوية بشكل أو بآخر.