لم يعد العيد كما كان في ذاكرة كثيرين تلك اللحظات البسيطة التي ارتبطت بطفولتنا صوت الأوراق النقدية الجديدة، رائحتها المميزة، وطقوس ترتيبها بعناية داخل تلك الحقيبة الصغيرة التي كنا نحملها، تراجعت لتحل محلها تجربة مختلفة تمامًا، فجيل كامل يستيقظ فجأة ليجد نفسه في موقع لم يكن يتخيله، لم يعد منتظرًا للعيدية، بل صار مسؤولًا عن توزيعها.
صدمة الدور
هذا التحول لا يأتي بإعلان رسمي أو سن محدد، بل يتسلل بهدوء، ربما في أول عيد بعد التخرج، أو مع بداية العمل، أو حتى بمجرد نظرة من أحد أفراد العائلة تقول”أنت بقيت من الكبار”، هنا يتغير السؤال تلقائيًا من “هآخد كام؟” إلى “هدي كام؟”، وتبدأ مرحلة جديدة تحمل في طياتها أبعادًا تتجاوز مجرد تبادل الأموال.
يصف بعض المتخصصين هذه اللحظة بـ”صدمة الدور”، حيث يختبر الفرد انتقالًا نفسيًا من موقع التلقي إلى موقع العطاء، في البداية، قد يشعر الشاب أو الفتاة بشيء من الارتباك، خاصة مع تعدد الأطفال وتفاوت التوقعات، لكن سرعان ما يتسلل شعور مختلف، مزيج من المسؤولية والرضا، وربما فخر خفي بقدرتهم على إدخال البهجة إلى قلوب الصغار، حتى وإن كان ذلك على حساب ميزانيتهم الشخصية.
عبء حقيقي
ومع التغيرات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، لم تعد العيدية مجرد رمز بسيط للفرح، بل أصبحت أحيانًا عبئًا حقيقيًا، البعض بات يرى فيها انعكاسًا غير مباشر للمكانة الاجتماعية، ما يزيد من الضغط على الكبار الجدد لمحاولة الحفاظ على صورة معينة أمام العائلة، هذا الواقع دفع كثيرًا من الشباب، خصوصًا من جيل زد، إلى البحث عن بدائل مبتكرة: هدايا رمزية، ألعاب بسيطة، أو حتى طرق تقديم مختلفة تضيف لمسة شخصية تعوض القيمة المادية.
ورغم كل ذلك، تظل العيدية أكثر من مجرد نقود تمنح، بل هي طقس اجتماعي متوارث، يحمل معاني أعمق تتعلق بالترابط الأسري واستمرار العادات، هي لحظة يتوارث فيها الجيل الجديد دورًا قديمًا، ويعيد إنتاج الفرح بطريقة تناسب زمانه وظروفه.
وجه للفرح
في النهاية، قد تختلف قيمة العيدية من بيت لآخر، وقد تتغير أشكالها، لكن جوهرها يبقى ثابتًا، فالعيد ليس فقط فيما نحصل عليه، بل فيما نعطيه أيضًا، وبين ضغوط الواقع وحنين الماضي، يكتشف كبار العيلة الجدد أن العطاء، رغم كلفته، هو أحد أجمل وجوه الفرح.