تعد الدراما التليفزيونيّة، تقليدًا راسخًا في شهر رمضان المبارك، ومع الإعلان قبيل بداية الشهر عن جدول العروض الدراميّة، كان الجمهور على موعد مع نفس الوجوه، الأبطال، والقصص وحتّى الشخصيّات والديكورات والتوليفات الدرامية، لكن لا بأس من تجربة المشاهدة، ربما ستأتي بالجديد هذا العام.
ومع انتصاف الشهر الكريم، يتسنى للجمهور أن يعلن تقييمه للأعمال الدرامية التي لم تأت بأي جديد، بل كانت استنساخًا لتجارب سابقة لاقت نجاحًا لدى المشاهدين، دون أدنى اجتهاد من الكُتّاب أو المخرجين لتقديم أعمال تليق بتاريخ الدراما المصرية العريقة، التي باتت خلال السنوات الأخيرة محل سخرية نابعة من المبالغات الدرامية والأخطاء والفشل في إقناع المشاهد بأنّه يشاهد عملًا يعبر عن حياته بالفعل، غير أنّها هذا العام باتت محل جدل إضافي ينبع من الكسل الشديد الذي يظهر في التكرار الفج للشخصيّات والقصص والأبطال الذين يلعبون نفس الأدوار في عالم بعيد كل البعد عن المتلقي.
رامز لا يفنى ولا يستحدث من العدم:
باتت مشاهدة رامز جلال وقت الإفطار، تقليدًا ثابتًا، ربما نسيت كيف بدأ، لكن هذا العام “رامز ليفل الوحش”، يقدّم رامز جلال برنامجًا جديدًا ومبتكرًا من المقالب التي لا تنتهي، للعام السابع عشر على التوالي، ومع علمي المسبق أنّ ما أشاهده هو مسلسل سيء الإخراج والتمثيل، إذ يكون الضيف الذي يتقاضى مبالغ طائلة، مقابل ظهوره في البرنامج ليمارس عليه رامز لعبته المفضلّة، على علم تام بطبيعة ما سيحدث له، دارسًا ردود أفعاله واندهاشاته قبل الظهور على الشاشات، ومع ذلك لا أزال أشاهده كما الملايين الذي يحققون له نسبًا مرتفعة من المشاهدات، لا تنبع من عبقريته أو ما يقدمه من جديد، بل من احتياجي كما الآخرين، إلى ممارسة دور المتفرج من موضع أعلى، ربما يمنح البعض إحساسًا لحظيًا بالتفوّق، أو لذة لحظيّة لمشاهدة الوجه الآخر لنجمتي المفضّلة، أو التشّفي في إذلال من لا أحبهم من الفنانين والمشاهير، وهو ما يمكن أن تخبرنا به تعليقات يوتيوب التي تحصد ملايين المشاهدات لمقاطع البرنامج.
عضلات العوضي وجروح ياسمين عبدالعزيز:
منذ زواج ياسمين عبدالعزيز وأحمد العوضي، لمع الاثنان معًا في تقديم أعمال مشتركة، تنضح بالفجاجة والتكرار، بدأت من لآخر نفس، ثمّ الي مالوش كبير، وانتهاء بـ”ضرب نار”، الذي انفصل بعده الثنائي ليغرقوا الدراما كل عام، بنفس القصة والشخصية والأداء التمثيلي للعوضي “الدكر، ابن البلد، محبوب النساء”، وياسمين المرأة القوية التي تتلقى طعنات الخيانة من المقربين لكنها سرعان ما تكون قادرة على التحدي والمواجهة، بعد أن تنهض من كبوتها.
هذا العام فاجأني العوضي بمسلسل علي كلاي، الذي رأيته جمعًا سخيفًا بين شخصية فهد البطل وجعفر العمدة، مع لمسات من شخصيّة عرب السويركي، الذي يسكن حارة شعبية يختلط فيها ديكور مسلسل حق عرب مع مسلسل سيد الناس، ومع هذا الارتباك الذي لا أعرف فيه شخصية علي كلاي من فهد البطل من عرب السويركي، لا يكون الأبطال الآخرين أحسن حالًا من العوضي، إذ لا تقدّم شخصياتهم أكثر من مجرد أداء أو تلقين لا يخرج عن حيز تكرار لم أعد قادرة على تفرقته عن سابقه من الأعمال.
بينما تطل علينا ياسمين عبدالعزيز بمسلسل “وننسى الي كان”، مع كاتبها المفضّل “عمرو محمود ياسين”، بنفس العمل والملابس وأداء تمثيلي عبارة عن حاصل ضرب شخصية غالية عبدالرحمن في مسلسل ونحب تاني ليه، مع ليل الحسيني في مسلسل وتقابل حبيب، دون أي تغير في الشخصية أو الأداء أو حتّى الإطلالة، مع إضافة بسيطة للشخصية التي لا تتوقف عن الصراخ، الذي لا يليق بشخصية ممثلة مشهورة، ولا أعلم كيف تستعير ياسمين عبدالعزيز أداءً يشبه فيفي عبده في الحقيقة والسراب، لتقدّم به دور نجمة من الصف الأول.
كان ياما كان وسوا سوا:
بعد نجاحه في بطولة ثلاث مواسم من مسلسل موضوع عائلي، الذي لا تتشابه قصته في أي شيء مع مسلسله رمضان الحالي “كان ياماكان”، يعود ماجد الكدواني في شخصية طبيب الأطفال مصطفى، بنفس أداء الشيف ابراهيم في موضوع عائلي، ورغم انعدام أي قواسم مشتركة بين الشخصيتين، لم يقدّم الكدواني أي جديد لا في الأداء ولا الانفعالات ولا تفاصيل الشخصيّة، بل انتابني شعور أنّ الشيف براهيم هو من يؤدي شخصية الدكتور مصطفى.
تشاركه بطولة المسلسل يسرا اللوزي التي نجحت العام الماضي في دور رباب زوجة متحرش الأطفال التي تعاني اكتئابًا عنيفًا، في مسلسل لام شمسيّة، لتعود هذا العام بنفس الشخصية مع نفس الأداء والملابس والإطلالة وحتّى تعبيرات الوجه، في “كان ياماكان”، التي تلعب فيها شخصيّة داليا، الزوجة المتمردّة التي تطلب الطلاق من زوج مثالي لمجرّد شعورها بالملل، لكن مع مرور الأحداث، وتصاعد الدراما بين الزوجين، لا نشاهد أي تطوّر في شخصيّة داليا التي ما زالت تسير في الحياة باكتئاب رباب وصمتها وسلبيتها، وهو ما يجعلني أتساءل، هل الممثلون هم من يتحكمون في أداءهم أمام الكاميرا أم مخرج العمل، الذي من المفترض أن يقوم بتوجيه الممثل لتقديم الشخصيّة؟.
أمّا أحمد مالك وهدي المفتي، الذي نجح كلاهما العام الماضي في تقديم شخصيّات جديدة على مسيرتهم الفنية، من خلال تجسيد شخصية ولعة في “ولاد الشمس”، وشخصية بوسي في مسلسل “80 باكو”، عادا معًا هذا العام في مسلسل من بطولتهما “سوا سوا”، لتقديم نفس الشخصيات لكن بأسماء مختلفة، استشعرت وكأن العوالم تداخلت مع بعضها، فلم أعرف ولعة من هيما، ولا بوسي من أحلام، ربما استلهم كاتب العمل مهاب طارق شخصياتهما لصنع عمل جديد، لكن هل غاب على مخرج العمل عصام عبدالحميد، أنّ ما يقومان به ليس سوى استنساخًا لأدوارهما العام الماضي، أم لم يجد الكاتب والمخرج أي تفاصيل يمكن أن يضيفاها لشخصيات هيما وأحلام عن ولعة وبوسي؟.
مي عمر بلا محمد سامي:
تعود مي عمر هذا العام، بعدما أصبحت فريضة رمضانية يجب تأديتها بمسلسل من 30 حلقة، لكن هذا العام بدون زوجها المخرج محمد سامي الذي اعتزل الإخراج العام الماضي، ليتسلم مكانه المخرج محمد علي في مسلسل “الست موناليزا”، الذي تؤدي فيه عمر دور موناليزا، بعدما صار من المسلّم به، أن يكون العمل باسم الشخصية التي تجسدها، كما حدث في لؤلؤ، نعمة الأفوكاتو، وإش إش، بنفس التيمة الدراميّة التي تهواها البطلة خريجة الجامعة الأمريكية، العاشقة لأداء شخصيّة المرأة الشعبية بنت البلد الجدعة التي تخوض معارك دامية لانتزاع حقها بعد ما تتلقاه من طعنات الأقارب والأحباب، لتنقلب على الجميع، وتتحوّل إلى المرأة الحديدية التي لا يقهرها قاهر.
ربما أتشارك مع الكثيرين من الجمهور ذات الشعور تجاه مي عمر منذ ظهورها الأول على الشاشة، أنّها ممثلة بلا طعم ولا أداء، فرضّت علينا بطلة مطلقة لمسلسلات زوجها بفعل الأمر الواقع، تهوى تمثيل أدوار من المفترض أن تكون أكثر تركيبًا وتعقيدًا، لكنها تظهر كل عام بنفس الأداء والانفعالات وطريقة الحديث، ونفس القصّة التي يتغيّر فقط وجوه أبطالها، لدرجة لم أعد أفرق فيها بين نعمة ولؤلؤ وإش إش وموناليزا، ومع ذلك تحظى مسلسلاتها بنسب مشاهدة قائمة على فكرة التشويق المبتذل، ومسار نظريات المؤامرة التي تحوم حول المرأة المثالية التي يتآمر عليها الجميع لكنها في النهاية تنتصر وتحظى بـ”العوض”.
مثل نظيرتها مي عمر، تحوّلت الممثلة ريهام حجاج، إلى ثابت رمضاني، بعدما انفردت ببطولة مطلقة لمسلسل كل عام، منذ مسلسل كارمن 2019، وصولًا إلى مسلسلها “توابع” الذي تقدّم فيه شخصيّة شهيرة التي تتورّط في قضيّة قتل لصديقتها بعدما اكتشفت أنّ زوجها متزّوجها سرًا، أسير معها في الأحداث التي يحاول الكاتب والمخرج إضفاء جو من الغموض والإثارة يشبه مسلسلات الجريمة، لكن بطلة العمل التي لم يختلف أداءها على مدار 7 مواسم رمضانية، نفس القصص الغامضة التي تكشفها البطلة التي تشبه المحقق كونان في طريقها نحو اكتشاف الغامض والمثير، لكنها لم تسأم كل عام من تقدّيم نفس الشخصيّة، بنفس الإنفعالات الباردة أيًا كان الموقف الدرامي، هو ما يثير الريبة حول استمرار حجاج في تصدر مسلسل رمضاني كل عام، رغم ضعف المشاهدات، وسخرية المشاهدين اللاذعة من أدائها، ما يمكن للجميع أن يراه من خلال تعليقات الجمهور على مقاطع مسلسلاتها على يوتيوب، وكأنّها أصبحت قدرًا محتومًا على جمهور دراما رمضان الذي يأس من أن يجد جديدًا يبل الريق.
ما آلت إليه حالة الدراما من حالة الركود الذي طغى علىى أعمال هذا الموسم بشكل خاص، يمكن اعتباره نتاجًا طبيعيًا لإشكالية قائمة منذ سنوات، تقوم على فكرة إعادة إنتاج ما نجح سابقًا في قالب مختلف، من أجل دوران ماكينة العمل والصناعة، بعدما ابتعدت عن الفن أو الإبداع، الذي يقوم في حد ذاته على التنوع والتجديد، والتقاط ما لا يمكن للعين العادية التقاطه، الابداع يكمن في التفاصيل، وصناعة عالم بشخصيات مكتوبة بعناية تختطف المشاهد في رحلة ممتدّة، يخرج منها محملًا بأشياء كثيرة، أبسطها الاستمتاع والتسلية، وأعقدها مناقشة قضيّة ما وتفكيكها عبر قالب درامي، مثل ما حدث العام الماضي مع مسلسل لام شمسيّة.
يحتاج الابداع خلال عملية ولادته وتوهجه إلى مساحة من الانفتاح والجرأة والاشتباك مع المجتمع وهمومه، وابتكار معالجة تجبر المشاهد على الانتباه لما تقدمه الشاشة،
ما تعانيه الدراما اليوم من حالة حرجة، لا يمكن فصله عن سياقه الأكبر، سنوات من الاحتكار والتضييق والرهان على قوالب درامية ركيكة تقدّم تسلية سريعة وخفيفة لمشاهدين يتعطشون لمشاهدة دراما تشبههم وتتفاعل معهم، لا تتعالى عليهم من داخل الكومباوندات، أو كوميديا مبتذلة ترتد في وجوه صناعها بالسخرية منهم، أو أعمال مكررة من نفس الوجوه والقصص التي أصابتنا بالملل.