استكمالًا لربط التجديد في الخطاب الديني ومكارم الأخلاق، أنقل لكم بعض النماذج البشرية التي وقفت في منتصف الطريق؛ إنها تفعل ما أمرها الله به من صلاة وزكاة وصدقات، ولكن يسقط منها مكارم الأخلاق.
المدرس العادل
جارنا مدرس شاطر، حتى إنه استأجر شقة صغيرة بنفس الدور الذي نسكن به لمكتب للدروس الخصوصية.. سرعان ما تمكن من شراء الشقة من عائد الدروس.
في جدوله المزدحم، حصة يوميًا بالمجامع يجمع الأيتام والفقراء ويعطيهم درسًا مجانيًا.. صدقة عن عافيته وعمله.
جارنا لا يكتفي بحصة الأيتام، بل يقدم كل شهر مبلغًا لشيخ المسجد لإنفاقه لتغطية احتياجات المسجد، لأن أعظم ثواب يأتي من تعمير بيوت الله.
انزعج جميع السكان من كثرة التلاميذ وصخبهم، واستخدام المصعد المستمر.
أما أنا، فقد أزعجني أكثر أنه كان يعلق ورقة على الباب في وقت درس الأيتام والفقراء مكتوب عليها: “درس الفقراء”، ويخبر كل من في مدرسته بأنه يخصص حصة للفقراء، ويذكر بعض أسماء التلاميذ كدليل على صدق كلامه.
لم أتمالك نفسي حين رأيت في السوبر ماركت والد أحد الأيتام الذي يعطيه درسًا مجانيًا، فقال لها بصوت عالٍ: “ادعينا يا مدام على الخير الذي بعمله فيك وفي ابنك”. أحرجت المرأة واحمر وجهها، صرخت فيه: “هو أنت مدرس؟ إزاي أنت ما تعرفيش (الحسنة المخيفة) و(إن الذي تطلعه يدك الشمال لا تعرف عنها يدك اليمن)”.
رد عليه: “وأنتِ متعرفيش أن صوت المرأة العالي عورة”.
تلقى منه رجل ملتحٍ الكلمة وأضاف بحكمة: “مش صوتها بس، شعرها عورة وجسمها عورة”.
أنصفني صاحب السوبر ماركت وقال لهم: “العورة والعار أن الواحد يفضح حد بيساعده”.
من المؤسف أن من علم هذا المدرس أهمية الصدقة والزكاة، نسي تمامًا أن يعلمه الخلق الكريم في الإسلام.
نسي أو تجاهل أن يذكره بأن الخليفة الفاروق أراد أن ينادي رجلًا كان يشعل نارًا، فقال له: “يا صاحب النور”، تأدبًا حتى لا يقول له: “يا صاحب النار”.
الأمر المثير للخوف والحزن معًا، أن هذا المدرس لم ينقل لتلاميذه وطلبته الرحمة والحفاظ على مشاعر الآخرين، خاصة الفقراء.
هذا المدرس العنيف في كل تعاملاته مع الكبار والصغار، لم يتعلم قول الله تعالى للرسول الكريم: “(ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك)”، وبالتالي لم يعلم الرقة للصغار.. بل ربما يراه بعضهم مثالًا وقدوة لمجرد أنه يتبرع لإعمار المسجد.