انتظر العالم كله على أطراف أصابعه، بعد ما يزيد على شهر كامل، ليسمع خطاب الرئيس الأمريكي اليوم، الذي لم يكن متوقعًا له إلا أن يعلن إنهاء الحرب والتدمير على إيران.
وظهر الرئيس الأمريكي، كعادته، مغرورًا بقوته ومتجبرًا، يضرب في كل الاتجاهات في مشهد دون كيشوتي بامتياز، يكاد يقول للعالم: أنا ربكم الأعلى. وهو يتوهم أن طواحين الهواء عبارة عن شياطين إيرانية شريرة ذات أذرع هائلة، وأن لديه التفوق والقدرة على ضربها جميعًا، وما على العالم إلا أن يسعى إليه ويكف عن صرخات ونداءات إنهاء الحرب.
ضرب ترامب في كل الاتجاهات؛ فالدولة الأمريكية قبله كانت دولة مشلولة، وأن أوباما فشل، وبايدن فشل، وهو الذي أنقذ الولايات المتحدة، وهو الذي جاء بما لم يأتِ به الأوائل. استولى على 7 ملايين برميل بترول من فنزويلا، ولديه غاز أكثر من روسيا والسعودية، وتمكن من هزيمة إيران وقتل قادة الصف الأول والثاني، وسيحولها في غضون أسبوعين إلى دولة من العصور الحجرية. ولكنه لم يعلنها صراحة: أن أمريكا انتصرت في الحرب.
وضرب ترامب في أوروبا التي خذلته، فرمى إليها معضلة مضيق هرمز، وقال لهم إن المضيق لا يمثل مشكلة له، وأنه لم يتأثر به، وعلى الأوروبيين الذين يرفضون المشاركة في الحرب أن يذهبوا ويستولوا على المضيق. وإذا أرادوا المساعدة فليأتوا إليه. ولم يعلن أيضًا أن أمريكا انتصرت واستولت على المضيق.
وبعد أن ضرب ترامب في أوروبا وإيران، تحول إلى أزمته الداخلية، وهي الأزمة التي تهدده في الانتخابات النصفية بعد أشهر قليلة، وهي أزمة ارتفاع أسعار النفط وانخفاض أسعار الأسهم. ولم يستطع هنا أن يضرب في الهواء؛ لأن الأزمة تتعلق بجيوب الأمريكيين، وتداعياتها لا يمكن إنكارها. فقال إن الأسعار ستعود إلى الانخفاض، وإن البورصة التي تأثرت ستشهد انتعاشًا، وأن اقتصاد أمريكا سيتحسن يومًا بعد يوم.
لم يتحدث ترامب عن تغيير النظام في إيران، وهو أحد الأهداف الأولى لعدوانه على إيران، فقال إن تغيير النظام قد حدث، ولم نعرف كيف حدث هذا التغيير. ويبدو أنه اعتبر أن قتل قيادات إيرانية يعني تغيير النظام، رغم أن هذا لم يحدث. حتى إنه لا يستطيع، من وجهة أخرى، أن يقول إن خطف رئيس فنزويلا قد غير النظام مثلًا.
ويواصل ترامب ضرباته الدون كيشوتية، فيصل إلى البرنامج النووي الإيراني، متوعدًا بالقضاء على قدرة إيران النووية، ومراقبة برامج تخصيب اليورانيوم المخفية فيها. وغادر ترامب هذا الهدف دون أن يحسمه تمامًا، ليصل إلى الرسالة التي يريد توجيهها للشعب الأمريكي المتململ من الحرب، بإحساس وطني عارم وتأزم اقتصادي تعكسه استطلاعات الرأي، فيؤكد أن الحرب ستستمر أسبوعين أو ثلاثة.
وهو أيضًا لم يعلن أن أمريكا انتصرت، بل يبدو وكأنه يمهد الأرض لمسار تفاوض ينهي الحرب ويوقف أزمته الداخلية، فهو يستعد لمواصلة الحرب لأن أمريكا لم تنتصر.
ولم يغادر خطابه قبل أن يستعرض مسار الحروب التي خاضتها أمريكا، وكيف أنها الدولة الأقوى والأكثر تفوقًا والأكثر ثراءً، وأن إيران لم تعد تشكل تهديدًا. وفي لفتة عاطفية مكشوفة، تمنى أن يبارك الله الرجال والنساء في الجيش الأمريكي، مشيرًا إلى حمايته لمستقبل الأطفال والأحفاد.