هذا هو إسماعيل ابن إبراهيم باشا أعظم القادة العسكريين على مستوى الإمبراطورية العثمانية وحفيد محمد علي باشا، وهو أول من ولد من حكام أسرة محمد علي على تراب مصر ونشأ وتربى على أرضها قبل ابتعاثه إلى أوروبا لاستكمال دراساته، ثم عودته مفعماً بحماس الشباب حيث تولّى ولاية مصر وعمره 33 سنةً، ورجع مولعاً بالتطور الأوروبي، وبعد ولايته عام 1863م زار باريس عام 1867م ثم عاد ليطلق قولته الشهيرة “أريد أن تصبح مصر قطعة من أوروبا”.
عارض إسماعيل أسلوب تنفيذ حفر قناة السويس وأوقف السخرة بفرمان عام 1864م، أي بعد توليه الولاية بسنة ونتيجة مفاوضات مع شركة قناة السويس لتقليص امتيازات فرديناند ديليسبس، ويبدو أن ذلك القرار كان بضغط أوروبي، ومن ثم حسّن صورة مصر كثيراً أمام الدول الأوروبية خاصة بريطانيا وفرنسا، وأسهم في رفع معاناة الفلاحين وقطاع الزراعة وعمران الريف المصري، وما كان من ديليسبس إلا أن قاضى مصر دولياً وقضت إحدى المحاكم الفرنسية بتغريم مصر 3,3 مليون جنيه ذهب في نفس سنة إصدار الفرمان بإلغاء السخرة، إلا أن ذلك لم يثنِ إسماعيل عن المضي قُدماً في حلمه وزاد من اقترابه من أوروبا وسعى لنيل امتيازات خاصة من السلطان العثماني حتى أصدر فرمان عام 1866م بمنح إسماعيل لقب خديوي وهو ذو مكانة أعلى من الوالي حيث يعتبر الخديوي مستقل إدارياً ومالياً وإلى حد كبير سياسياً كما أصبح الحكم وراثي في أولاده.
كانت زيارته لباريس 1867م بدعوة رسمية من الامبراطور نابليون الثالث بوصفه خديوي مصر لحضور معرض عالمي دُعي إليه ملوك وأباطرة العالم، فأي فخر حازه إسماعيل وهو المتحدث بالفرنسية بطلاقة، محررا الفلاحين من السخرة، جاء ليبرز مكانة مصر وظهر في باريس بموكب رسمي ضخم وشارك بجناح مصري مميز، والتقى بملوك أوروبا لعمل تحالفات مباشرة وجذب الاستثمارات وتوسيع صادرات مصر خاصة من القطن، والاطلاع على مشروع تحديث باريس الذي بدأ عام 1853، لذلك كان جانب كبير من المشروع أصبح واقعاً اطلع عليه الخديوي إسماعيل حيث تغير وجه باريس عما كانت عليه وخرجت من نمط وطابع العصور الوسطى إلى شكل حديث بشوارع عريضة مستقيمة وميادين شعاعية وشبكات مياه وصرف وإنارة غازية للشوارع وجسور وأرصفة وحدائق عامة ومبانٍ ذات طرز كلاسيكية جديدة.
كانت فكرة إنشاء مركز حضري جديد بالعاصمة تختمر في عقل إسماعيل في الواقع قبل زيارته لباريس، بتلك الشخصية المفعمة بالانتصارات السياسية والروح المتطلعة لتطوير العاصمة لتباري كبريات العواصم العالمية، كان أمام القاهرة الفاطمية بأسوارها في الشمال والفسطاط وجزء كبير منها مدمر وأطلال مدينة العسكر وما تبقى من آثار مدينة القطائع في الجنوب، وأسوار صلاح الدين الأيوبي التي امتدت من نهر النيل غرباً لتشمل الأجزاء الشمالية من الفسطاط وتحمي المساحة المحاطة بقلعة الجبل والقاهرة الفاطمية، تلك المنطقة داخل أسوار صلاح الدين صار يطلق عليها مصر المحروسة أي المحمية، وقد عمر مساحات كبيرة منها سلاطين المماليك، وجاء العثمانيون ولم ينشئوا مدينة كحاضرة، فقد كان حكام مصر في عهد العثمانيين مجرد ولاة، ومن ثم كان التوسع كبير على النسيج العمراني القائم سواء كان مملوكياً أو فاطمياً.
هذا كان حال المحروسة آنذاك، الفسطاط هي العاصمة الشعبية في الجنوب والقاهرة الفاطمية بأسوارها وخصوصيتها في الشمال وامتداداتها نحو قلعة الجبل والوسط حيث البرك منتشرة بداية من بركة الفيل جنوباً وهي أهمهم وإلى الغرب منها برك أصغر مثل بركة السقايين والفوالة وغيرهما، أضف إليهم مجرى الخليج المصري الذي يتجه من الجنوب عند فم الخليج وبداية سور صلاح الدين على نهر النيل إلى الشمال فيحازي الحد الغربي للقاهرة الفاطمية، وإلى الغرب من القاهرة الفاطمية بركة الأزبكية، وهي أكبر البرك وأكثرها رونقاً وجمالاً فإضافة إلى أنها قريبة من القاهرة الفاطمية وتعد امتداداً لها في عصري المماليك والعثمانيين، إلا أنها بعد أن كانت محاطة بقصور الأمراء وكبار القادة وعلية القوم ومليئة بمراكب النزهة، أهملت مع مطلع القرن 19 حتى صارت في منتصفه محاطة بقصور قديمة أو اسطبلات ومخازن وقلت مياهها فلم تعد تصلح لسير المراكب، وصارت مستنقعا راكدا لم تعد تتغذى بما يكفي من مياه الخليج المصري لتجدد نقاءها.
كانت لدى إسماعيل الإرادة السياسية أن يطور مصر المحروسة منذ تولى الحكم فقد اهتم بنظارة الأشغال التي أسسها محمد علي وأصبحت جهازاً هندسياً متقدماً في عهده، وشكل لجنة على رأسها من وزارة الأشغال علي مبارك باشا رئيس نظارة الأشغال آنذاك وكان حلقة الوصل بين الخديوي ومجموعة المهندسين، وعلى إثر توجيه الخديوي بردم البرك وتطهير أماكنها وإعدادها لصلاحية البناء عليها، فقد شكل علي مبارك لجاناً هندسية لدراسة البرك وخطط الردم ووضع محاور لشوارع جديدة، وتشكلت “لجنة البرك” سنة 1964، وأظن أنها أول لجنة تخطيطية في تاريخ مصر الحديث، درست برك الأزبكية والفوالة وبرك باب الشعرية ووادي اللوق – باب اللوق لاحقاً – وانتهى تقرير اللجنة إلى ضرورة ردم بركة الأزبكية لأنها أصبحت مستنقعاً راكداً ومياهها ملوثة ومصدراً للبعوض والأمراض، كما أنها منخفضة المنسوب مما يسهل ردمها واستصلاح أرضها ويوصى بردمها بالكامل.
بدأ ردم بركة الأزبكية مباشرة عام 1864، وانتهى عام 1867، ليتزامن مع عودة الخديوي إسماعيل من زيارة باريس، وقد بدأ المهندسون في تعلية منسوبها بعد أن اختفت كبركة تماماً، والخديوي يرمي إلى تحديث سريع وراقِ للعاصمة والتطوير قد يحتاج سنوات قبل الاحتفال الذي يريده لافتتاح قناة السويس ودعوة ملوك أوروبا، وبعد اطلاعه على أعمال ردم بركة الأزبكية أشار بتحويلها إلى حديقة عالمية على الطراز الأوروبي، فاستدعى كبير مهندسي حدائق باريس جان بارييه ديشان لتخطيطها والمهندس الزراعي جوستاف ديلشيفالري منسق الحدائق البلجيكي ليصمم وينفذ ما خططه ديشان، ثم ما لبث أن اتخذ قراراً ببناء دار للأوبرا بالركن الجنوبي الغربي من الحديقة وتم بناؤها خلال عام واحد لينتهي صيف 1969، لتفتتح في أول نوفمبر من نفس العام مع افتتاح قناة السويس، وكانت الحديقة ودار الأوبرا هما شرارة بزوغ فكرة استصلاح وتطوير المناطق الغربية منهما وإنشاء حي حديث على الطابع والطرز الأوروبية.. وللقصة بقية.