تواصل إسرائيل سياساتها الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، مدعومة بغطاء سياسي أمريكي، في خطوة تهدف إلى تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة، وفي الوقت الذي تصدر فيه تقارير دولية و إدانات شكلية، تظل المستوطنات في تصاعد مستمر، مع تحويل البؤر غير القانونية إلى مستوطنات رسمية وفصل أحياء استيطانية لتصبح مستقلة، إضافة إلى مشاريع طرق أمنية تربط المستوطنات ببعضها على حساب الأراضي الفلسطينية.
هذا التقرير يقدم قراءة شاملة للمشروع الاستيطاني الإسرائيلي، استناداً إلى تصريحات خاصة لموقع “القصة” من كل من: أمير داوود، مدير عام التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان – الدكتور ماهر صافي، الخبير في الشأن القانوني الدولي لفلسطين – بالإضافة إلى بيان المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة حول المستوطنات الإسرائيلية في منطقة E1.
السياسات الاستيطانية الإسرائيلية
أكد أمير داوود مدير عام التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أن المشروع الاستيطاني الاستعماري، تحديداً في السياق الحالي، يشمل تخصيص أكثر من 2.7 مليار شيكل لدعم الاستيطان، وتحويل 22 بؤرة إلى مستوطنات رسمية وفصل أحياء استيطانية واعتبارها مستوطنات رسمية.
كما أوضح لـ”القصة” بأن هذا التصعيد هو سياسة فرض واقع على الأرض، خصوصًا في الضفة الغربية، ويصب في الهدف الاستراتيجي الأعم لدولة الاحتلال وهو إعدام إمكانية قيام دولة فلسطينية، من خلال العبث في الجغرافية الفلسطينية بتوسعة المستوطنات ومصادرة الأراضي وفرض الوقائع.
وأشار إلى أبعاد المشروع المختلفة: البعد القانوني:
هذه الخطوات تعد انتهاكا صارخا للقانون الدولي، وخصوصا اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر نقل السكان من الدولة المحتلة إلى الأراضي المحتلة.
البعد السياسي: القرار يهدف إلى تعزيز حضور الحكومة الإسرائيلية داخليا عبر كسب دعم الأحزاب اليمينية المتطرفة، التي تعتبر توسيع المستوطنات أحد شروطها للبقاء في الائتلاف الحاكم.
الأثر الجغرافي والديموغرافي: تحويل البؤر إلى مستوطنات رسمية يعني توسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية وقطع أوصال القرى والمدن الفلسطينية، مما يعمق سياسة “الكانتونات” ويقضي فعليًا على إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
الأثر الاقتصادي و الأمني: المبالغ الضخمة المخصصة تعزز ترسيخ الاحتلال، وتشمل شق طرق “أمنية” لتسهيل حركة المستوطنين وربط المستوطنات ببعضها، ما يزيد عسكرة الضفة الغربية ويصعب أي حلول سياسية مستقبلية.
رد الفعل الدولي: رغم الإدانات الشكلية من بعض الدول، إلا أن غياب إجراءات عملية يشجع الاحتلال على المضي قدماً، في ظل انشغال العالم بأزمات أخرى.
وأوضح داوود أن الفترة الأخيرة شهدت إعلانين من أخطر ما جاء في سياسات التوسع الاستيطاني: تحويل 22 بؤرة استيطانية إلى مستوطنات رسمية، يمنحها شرعية داخلية ويثبت وجود دائم وتوسع عمراني منظم، فصل 13 حيا استيطانيا عن مستوطنات كبرى يمنحها صلاحيات بلدية وأمنية منفصلة، ويضاعف السيطرة الميدانية، ويعزز سياسة “تجزئة الضفة”.
وأضاف، أن مشروع الطرق الأمنية المخصص للمستوطنين يستخدم لإضفاء صفة رسمية على الطرق التي شقها المستوطنون سابقاً، ما يتيح مزيداً من مصادرات الأراضي، وتحويل المشاريع الأمنية إلى أداة استراتيجية لتكريس الضم الفعلي وتقطيع أوصال المناطق الفلسطينية.
استمرار الاستيطان رغم القرارات الدولية
ومن جانبه، أكد الدكتور ماهر صافي، الخبير في الشأن القانوني الدولي لفلسطين لـ “القصة”، أن إسرائيل مستمرة منذ قبل العدوان في 7 أكتوبر 2023، وخلال العدوان وحتى بعده في الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، وتحديداً في الضفة الغربية.
وأضاف أن بناء 764 وحدة استيطانية ليس بجديد على المحتل الإسرائيلي، وأن القرارات الدولية والقانون الدولي الإنساني وكافة القرارات التي اتخذت بحق القضية الفلسطينية لمنع بناء هذه المستوطنات، سواء كانت أمنية أو عسكرية، ليس لها أي أهمية عمليا، لأن إسرائيل تعمل تحت قيادة الرئيس الأمريكي السابق ترامب الذي يدعمها من جميع الاتجاهات.
هدف إسرائيل من الاستيطان.. تقييد الحلم الفلسطيني
وبسؤال الدكتور ماهر عن الهدف من استيطان وحدات على الأراضي الفلسطينية، فأكد أن كل ما يحدث في الأراضي الفلسطينية وتحديدًا الضفة الغربية والقدس هو لقطع التواصل الجغرافي بين المناطق الجنوبية والشمالية وتقييد حلم إقامة دولة فلسطينية.
وأضاف أن إسرائيل لا تعترف بالمواثيق والقوانين الدولية، ولا بالاتفاقيات أو المصطلحات والبنود التي تنص على عدم بناء وحدات استيطانية جديدة على الأراضي الفلسطينية. لكنها تستمر في التحريض المستمر، بدعم من المسؤولين الإسرائيليين وعلى رأسهم رئيس الوزراء نتنياهو، بالإضافة إلى الحراسة من الجيش والشرطة الإسرائيليين.
نقض الاتفاقيات الدولية هل اخترق الاحتلال الاتفاقيات؟
أكد الدكتور ماهر أن إسرائيل نقضت كل الاتفاقيات التي نصت على عدم استيطان وحدات إسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، منها اتفاقية جنيف واتفاقية روسلو.
الاستيطان جريمة حرب
وحول ما إذا كان بناء وحدات استيطانية على الأراضي الفلسطينية يعد جريمة حرب، قال إن الأراضي الفلسطينية منذ 1948 تعيش حالة حرب مستمرة، سواء كان عن طريق استهداف الفلسطينيين في كافة الأراضي، أو عن طريق بناء وحدات استيطانية أمنية أو عسكرية أو زراعية.
وأكد أن ذلك جريمة حرب وتعد على الحقوق الفلسطينية والثوابت والحق الفلسطيني، بهدف إرغام السكان على التهجير، مشيرًا إلى أن الأراضي الفلسطينية في حالة حرب مستمرة من خلال عمليات الاستهداف وعملية التهجير.
وحول هل هناك خطوات قانونية يجب على الدولة الفلسطينية اتخاذها؟، أوضح أن السلطة الفلسطينية والأطراف القانونية والفلسطينية كافة اتخذت إجراءات ضد الاحتلال، لكنها لم توقف الاستيطان.
وأضاف أن هناك غطاء على إسرائيل من قبل الإدارة الأمريكية لاستمرار هذه الحرب والتهجير، مشيرًا إلى أن الاستيطان الإسرائيلي مستمر بسبب الدعم الأمريكي.
وعن تأثير الاستيطان على مصير دولة فلسطين، أكد وصافي أن الهدف من بناء وحدات الاستيطان، سواء أفقية أو رأسية، في كافة الأراضي الفلسطينية، هو تقييد حلم إقامة دولة فلسطينية، خاصة في الضفة الغربية.
وأوضح أن إسرائيل تقوم بالاستيطان العسكري والأمني والسياسي والزراعي بهدف واحد: إضعاف فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة.
تأثير الاستيطان على ترسيم الحدود
وأردف أن ما يحدث حاليًا يعيق ترسيم الحدود و يقوض تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية على الأراضي في غزة والضفة والقدس على حدود 4 يونيو 1967.
وأشار إلى أن النقاط المتعلقة باتفاق وقف إطلاق النار في غزة قد تعيق ترسيم الحدود في أي اتفاق مستقبلي، بسبب عدة عوامل، منها الخلافات حول السيطرة على الحدود، حيث تطالب إسرائيل بالسيطرة على طريق فيلادلفيا الحدودي بين غزة ومصر، بينما ترفض حركة حماس المخطط الذي يستهدف الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية في غزة وتقليص مساحة القطاع لأكثر من 40٪.
رد فعل المجتمع الدولي.. الأمم المتحدة
أكد المتحدث باسم الأمين العام، ستيفان دوجاريك، أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية انتهاك للقانون الدولي، وأن المضي في مشروع E1 يشكل تهديداً و جوديا لحل الدولتين، إذ سيؤدي إلى فصل شمال الضفة عن جنوبها، و يقوض استمرارية الأراضي الفلسطينية المحتلة جغرافياً.
وحث دوجاريك حكومة إسرائيل على الوقف الفوري لجميع الأنشطة الاستيطانية والالتزام بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وفقًا للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في 19 يوليو 2024.
الاستراتيجية الإسرائيلية لتفكيك الجغرافيا الفلسطينية
في ضوء ما سبق، يتضح أن المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية ليس مجرد توسع عشوائي، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى تكريس السيطرة على الأراضي الفلسطينية وتقويض إمكانية قيام دولة مستقلة، سواء عبر تحويل البؤر إلى مستوطنات رسمية، أو فصل الأحياء، أو شق الطرق الأمنية التي تفصل الفلسطينيين عن أراضيهم ومواردهم الطبيعية.
ورغم القرارات الدولية والإدانات الشكلية، يستمر الاحتلال في فرض وقائع جديدة على الأرض بدعم من الإدارة الأمريكية، ما يزيد من صعوبة حل الدولتين ويهدد استمرارية الحقوق الفلسطينية التاريخية.
إن استمرار هذه السياسات يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: إما اتخاذ إجراءات حقيقية للضغط على إسرائيل للالتزام بالقانون الدولي، أو التفرج على استمرار تفتيت الجغرافيا الفلسطينية وتهجير سكانها، مع ما لذلك من آثار إنسانية وسياسية خطيرة على مستقبل المنطقة.