حين دخلت المدمرة الأمريكية نيو جيرسي فی سنة ١٩٨٣ إلى الساحل اللبناني، كتب جوزيف أبو خليل في صحيفة “العمل” الكتائبية:
” أين إله المظلومين أمام عظمة نيوجيرسي؟
ولم يتأخر الرد كثيرًا، فقد كان العماد حاضرًا بتفجير مقر مشاة البحرية الأمريكية.
قُتل 241 من الكوماندوز الأميركيين ووقّع العماد على أجسادهم:
” ربُّ المظلومين هنا، فأين عظمة نيوجيرسي؟
“إنني على استعداد للتحالف مع الشيطان”
لم تكن تلك جملة عابرة يُرددها الشيخ بيير الجميل في لحظة غضب بل كانت تعبيرًا عن قناعة لدى الشيخ بيير وابنه الشيخ بشير الجميل، ولم يكن هذا الشيطان الذي يعلنون استعدادهما للتحالف معه سوى إسرائيل.
فالشيخ بيير الجميل زعيم حزب الكتائب اللبنانية ومعه حزب الأحرار كانوا على استعداد لفعل اي شيء لإخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، فالمنظمة التي خرجت من الأردن عقب مذابح أيلول الأسود لم تجد أمامها سوى لبنان.
ولبنان أراد البعض له أن يكون سويسرا الشرق بلا مواقف سياسية وبلا هوية.
وعلى الفور ركب جوزيف أبو خليل رئيس تحرير مجلة العمل الناطقة بلسان حزب الكتائب قاربًا وتوجه به إلى حيفا، وقدم نفسه لأحد ضباط المخابرات، وبغد ساعات كان يجلس وجها لوجه مع شيمون بيريز وعدد من كبار العسكريين وضباط الموساد.
كانت طلبات جوزيف أبو خليل واضحة وهي دعم إسرائيل لإخراج منظمة التحرير من لبنان إضافة إلى شحنات من السلاح.
وعلى ظهر بارجة حربية في البحر المتوسط جرى اجتماع بين الشيخ بيير الجميل وبين إسحاق رابين
ولم يتوقف الأمر عند حدود تواصل جوزيف أبو خليل والشيخ بيير الحميل.
فقد دخل أيضا الشيخ بشير الجميل الذي تعاظم دوره في الكتائب وفي قيادة القوات اللبنانية في علاقة مباشرة، وجرى ترتيب لقاء سري بينه كممثل لحزب الكتائب وبين مناحم بيجن نفسه في العاصمة واشنطن.
في أوئل العام 1982 بدأت الاستعدادت لغزو إسرائيلي للبنان لإقصاء منظمة التحرير عن لبنان كله، وجرى اجتماع مغلق بين بشير الحميل وبين وزير الدفاع الإسرائيلي أرييل شارون، كان الهدف واحد وهو تدمير البنيتين السياسية والعسكرية لمنظمة التحرير.
وفي أوائل يونيو وبينما كان السفير الإسرائيلي في لندن خارجًا من فندق دورشستر في بارك لين قامت مجموعة بإطلاق النار عليه، وكانت تلك هي الإشارة أو الذريعة التي تنتظرها إسرائيل لغزو لبنان.
بعدها بساعات كانت ثلاثة ألوية من الجيش الإسرائيلي مدعومة بقصف بري وجوي وبحري تدخل الأراضي اللبنانية عبر ستة محاور.
اعتقدت إسرائيل أن هدف عملياتها بإعلان استسلام منظمة التحرير لن يستغرق سوى أيام، فقد قطعت المسافة الفاصلة بين الحدود وبيروت في بضعة أيام لكنها وقفت عند أبواب العاصمة أمام مقاومة عنيفة من المنظمة وهو ما لم يكن في الحسبان حسب تقارير أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية عن قدرات المقاومة وبحسب تقديرات حزبي الكتائب والأحرار المتعاونين.
قاتلت المنظمة قتالًا شرسًا وكانت في انتظار دعم لم يأت، فالقاهرة غيرت بوصلتها، وسوريا تخشى مواجهة غير مستعدة لها، والأردن لم ينس مواجهات أيلول الأسود والسعودية تكتفي ببيانات القلق، والعراق غارق في حرب عبثية مع إيران، وإيران باعدت مواقف المنظمة بينهما بعدما انحازت للعراق، والسوفيت في دوامة أفغانستان يقاتلون مجاهدين عرب تركوا أشقاءهم يُذبحون وجاءوا ليقاتلوا معارك الأمريكان.
ورغم صمود المنظمة ومن تحالف معها لكن الضغوط كانت شديدة وخطوط إمدادها باتت مقطوعة، والوضع الداخلي في لبنان منقسم قبلت المنظمة الخروج من لبنان للحفاظ على ما تبقّى من قواتها.
في تلك الأيام كان السفير الأميركي فيليب حبيب مشغول بترتيبات إخراج المنظمة من بيروت والبحث عن قاعدة لاستقبالها، القاهرة كانت مرشحة لكنها غير راغبة، وعمان منافسة وذاكرة أيلول حاضرة، والرياض مستبعدة، وجرى الاتفاق على تونس على بعد 3000 كيلو متر من فلسطين.
مشاهد مغادرة المقاتلين بأسلحتهم من لبنان جرت وسط البكاء و الدموع، فهنا روابط أقيمت تنقطع، وعلاقات نسجت تنفصل، وتاريخ صنع سينتهي، ورائحة أرض الوطن المتاخم للبنان لن تنفذ إلى مسام المحبين، وقائمة من الشهداء احتوتهم أرض لبنان سيتركون بلا شواهد قبر.
لكن على الجانب الآخر عمت الفرحة حزب الكتائب والأحرار، وبالطبع إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة، فقد كانوا يظنون أن لحظة السلام قد حانت بعد إخراج المنظمة من لبنان، لكن ما لم يفهمه الأميركي وما كان يتخوف منه الشيخ بيير الجميل رغم ضلوعه في المؤامرة، أنه حتى بخروج المنظمة من لبنان فإن لبنان ما زال بعيدًا عن عقد اتفاق سلام مع إسرائيل، فالقوى السياسية في لبنان ليست مجرد قوى في الفراغ، بل هي تعبير عن قوى ضاربة بجذورها في التراب اللبناني، فالسنة من الصعب أن يقبلوا بفكرة السلام بالشروط الإسرائيلية وهي أقرب لوثيقة استسلام منها لمعاهدة سلام، والدروز لن يخاطروا خصوصا أن صوت كمال جنبلاط حاضرًا في القلوب رغم مضي سنوات على اغتياله، والشيعة قوى صاعدة وانعكاس نجاح الثورة في إيران والروابط العميقة والتاريخية بين جبل عامل وقم جعلتهم قوى لا يستهان بهم وهم ليسوا مجرد رافضين لحلول سلام مع إسرائيل وفقط بل هم مصممون على معركة تحرير للبنان ودعم للمقاومة الفلسطينية.
وفي نشوة الفرح أصر بشير الجميل على انتزاع منصب رئاسة الحمهورية، لم يكن بشير كأبيه رجلًا خبرته السنون والأيام والتجارب، بل عنيف إلى أقسى درجة، وطائفي في بلد خرج من حرب أهلية استمرت 7 سنوات، وجرى انتخاب بشير الجميل بفارق صوت واحد، وقبل أن يتسلم مهام منصبه جرى عقد اتفاق بينه وبين مناحم بيجين الذي كان يرى أن بشير عليه فواتير لإسرائيل واجب دفعها وهذا موعد استحقاقها، فهو يرى أن الجيش الإسرائيلي هو الذي قدم رئاسة الجمهورية لبشير وليس مجلس النواب اللبناني، وأن هذا الوقت كي تكون لبنان مسيحية مثلما إسرائيل يهودية كان اللقاء محتدمًا ويفتقر للدبلوماسية، وبشير يطلب مزيد من الوقت وبيجن يصر على سرعة توقيع اتفاق، وديفيد كيمحي رئيس الموساد ينتحي جانبًا بجوزيف أبو خليل الذي حضر الاجتماع في محاولة لإقناعه بضرورة عقد اتفاق، وانتهى الاجتماع دون نتيجة، وخرج بيجن من الاجتماع غاضبًا على بشير، وجرى تسريب خبر الاجتماع لوكالة رويترز على لسان مسؤول إسرائيلي.
ولم تمض أيام حتى كانت جثة بشير الجميل يوم 14 سبتمبر 1982 ممزقة ويصعب التعرف إلى صاحبها، وجرى التعرف عليه من خلال خاتم الزواج وقميصه الأزرق، بعدما وقع انفجار هائل في بيت الكتائب في محلة الأشرفية بينما كان بشير الجميل داخله يحضر اجتماع للمكتب السياسي للكتائب.
بعدها بثلاثة أيام في 17 سبتمبر ارتكبت القوات اللبنانية مذبحة صابرا وشاتيلا في حماية القوات الإسرائيلية، والتي راح ضحيتها أكثر من 3000 فلسطيني، كانت المنظمة قد رحلت وتركت خلفها المخيمات منزوعة السلاح بلا حماية في بلد على وشك الانفجار، جثث الضحايا بعدما جرى التمثيل بهم أراقت دموع المراسلين الأجانب قبل اللبنانيين والعرب، لكن رجال المقاومة الإسلامية في لبنان لم يبكوا ولم يذرفوا الدموع كالعجائز ، فقد تحولت صور الضحايا إلى نار تحرق قلوبهم، وأقسموا يومها بالدمع الحارق فوق الخدود وبالأشلاء الممزقة وبالوجوه المحروقة على الانتقام.
عاث رجال الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية والفرنسية فسادًا في لبنان معتقدين أن المذبحة قد قدمت ردعًا لكل القوى اللبنانية، ولم يكن في تصورهم أن هناك رجلًا لا أحد يعرف اسمه الحقيقي ولا رسمه سوى مجرد اسم حركي (الحاج رضوان ) يضع الخطط والتصورات لحرب طويلة مع تلك الأجهزة، وأن لبنان لن يقع في حجر الأميركي والإسرائيلي.
وفي إبريل 1983 وفي مقر السفارة الأميركية في بيروت وفي الوقت الذي كانت تعقد فيه وكالة المخابرات المركزية الأمريكية اجتماعًا موسعا لممثليها في المنطقة قامت المقاومة الإسلامية بتفجير مقر السفارة وقُتل في هذا التفجير وتحت أنقاضه أكثر من 16 مسؤولا من رجال وكالة المخابرات الأميركية في المنطقة وكانت أعنف ضربة توجه إلى الوكالة وعليها توقيع الحاج رضوان.
واستعرضت أمريكا قوتها بالبارجة العسكرية نيوجيرسي وبمشاة البحرية الأمريكية في محاولة للردع والتخويف، يومها كتب جوزيف أبو خليل في صحيفة العمل الكتائبية: أين رب المظلومين أمام عظمة نيوجرسي؟
ولم يتأخر الرد.
ففي أكتوبر من نفس العام قام استشهادي بنسف مقر مشاة البحرية الأميركية المارينز مما أدى إلى مقتل 241 من مشاة البحرية الأميركية وبعدها بدقائق وقع هجوم على مقر القوات الفرنسية مما أدى لمقتل 58 جنديا فرنسيا، ووقّع الحاج رضوان على جثث مشاة البحرية الأميركية: رب المظلومين هنا، فأين عظمة نيوجيرسي؟
واضطر رونالد ريجان لسحب كل القوات الأمريكية من لبنان.
ولم يتوقف الحاج رضوان، ففي يناير 1984 نجح في اغتيال مدير الجامعة الأمريكية في بيروت الذي كان ضالعًا في العمل مع وكالة الاستخبارات الأمريكية.
وفي مارس 1984 نفذ حزب الله واحدة من أنجح عملياته ضد وكالة الاستخبارات الأمريكية فقد تمكّن بعد رصد من خطف ويليام باكلي وهو المسؤول الأول يومها عن نشاط وكالة الاستخبارات الأميركية في المنطقة والشرق الأوسط كله، وجرى استجوابه ورغم تدريبه الاحترافي لم يتحمل وأدلى باعترافات كاملة عن كل خطط الوكالة، ثم جرى التخلص منه ووق؟ع على جثمانه الحاج رضوان.
ولم يكن الحاج رضوان الذي يضع بصماته فوق كل عملية سوى عماد مغنية، الرجل الذي لم يعرف أحد اسمه ولا رسمه والذي استمرت عملياته حتى تحرير الجنوب ودرّب الآلاف من الرجال، حتى تمكنت عدة أجهزة استخباراتية بعد سنوات من المتابعة والرصد من تحديده، وجرى اغتياله في مثل هذه الأيام من عام 2008 في سوريا.
رحل عماد مغنية بعد أن ترك الآلاف من الرجال على الدرب، ينتظرون لحظات المواجهة وهم أحرص على الموت من حرصهم على الحياة.
وليحذر كل من يراهن على الأميركي والإسرائيلي معتقدًا في ضعف الحزب والمقاومة، فلربما تُفاجأون بمئات من عماد مغنية لا يُبشّرون بالأحياء ولا يُعزّون عن الموتى.