مصر التي هاجر أبناؤها تُضيّق على ضيوفها — ألم نقرأ سيرة نبينا؟
قبل أن تكتب “ارحلوا”، قبل أن تشارك منشور الكراهية، قبل أن تصفّق لحملة الطرد — توقّف لحظة واسأل نفسك سؤالاً واحدًا بسيطًا: كم مصري في الخارج الآن؟ وكيف يُعامَل؟
الأرقام لا تكذب — وجهان لعملة واحدة
يُقدَّر عدد المصريين في الشتات بحوالي ١٤ مليون مصري — في السعودية، الإمارات، الكويت، قطر، ليبيا، إيطاليا، أمريكا، كندا، أستراليا. أربعة عشر مليونًا يعيشون على أرض غيرهم، يأكلون خبز غيرهم، ويبنون مستقبلهم بعيدًا عن أهلهم وبلدهم.
وهذا ليس مجرد رقم — بل هو شريان الاقتصاد المصري بأكمله، إذ سجّلت تحويلاتهم نموًا بنسبة 51% خلال عام 2024 لتبلغ نحو ٢٩.٦ مليار دولار، ووصلت في عام 2025 إلى مستوى غير مسبوق تجاوز ٤١ مليار دولار. فحين تهاجم مهاجرًا على أرض مصر، اسأل نفسك: كيف يُعامَل أخوك في الرياض؟ أو ابنك في دبي؟ أو ابن جارك الذي سافر إلى إيطاليا بحثًا عن لقمة عيش؟ هل تريده أن يُعامَل بنفس الكراهية التي تُوزّعها اليوم بسخاء؟
والوجه الثاني لهذه العملة أكثر إيلامًا، لأنه لا يُحكى كثيرًا. فمن بين هؤلاء الملايين الذين يبحثون عن حياة أفضل، هناك من يختار الطريق الأخطر. بين عامي 2009 و2024، وصل أكثر من ٧١ ألف مصري إلى أوروبا بشكل غير نظامي — معظمهم عبر ليبيا إلى إيطاليا، أو عبر تركيا إلى اليونان. وفي عام 2024، كان المصريون رابع أكبر مجموعة تصل بشكل غير نظامي عبر وسط البحر المتوسط، وثالث أكبر مجموعة في شرقه. شباب يتركون أهلهم في الليل، يدفعون مدخرات سنوات لمهرّبين، ويركبون قوارب مطاطية متهالكة فوق بحر لا يرحم — فقد لقي ما لا يقل عن ٢١٠٨ أشخاص حتفهم أو فُقدوا في البحر المتوسط خلال عام 2025 وحده.
بعضهم مصريون. بعضهم أبناء وآباء وأشقاء. يموتون على شواطئ القارة التي نتهمها بالعنصرية وكراهية المهاجرين — بينما نمارس نحن اليوم ما هو أشد قسوة تجاه من لجأوا إلينا. المفارقة مؤلمة ومُذلّة في آنٍ واحد: نبكي على موتانا في البحر الأبيض المتوسط، ونشمت بالغريب الذي وصل إلينا بأمان.
ثم تعالَ إلى الدين — لأنك أنت من رفعه في وجه المهاجر.
الغريب في هذه الحملات أن كثيرًا من أصحابها يرفعون راية الإسلام، ثم ينسون — أو يتناسون — أن نبيهم نفسه كان مهاجرًا. سيدنا محمد ﷺ ترك مكة. ترك بيته وأرضه وذكرياته وقبر أمه. لم يفعل ذلك جبنًا ولا هروبًا من مسؤولية — بل لأن البقاء كان يعني الموت، ولأن الرسالة كانت أكبر من أن تنتهي في زنازين قريش.
خرج يبحث عن ملاذ آمن، يبحث عن أرض تقبله وتقبل من آمن معه. تمامًا كما يفعل السوداني الفارّ من الحرب، والسوري الذي فقد بيته، والجنوبي السوداني الذي لا يعرف إن كان لديه وطن يعود إليه. والتقويم الهجري — الذي تكتبه على رأس كل وثيقة دينية وتبدأ به كل خطبة جمعة — لا يبدأ بالمولد النبوي، ولا بأول آية نزلت، ولا بفتح مكة. يبدأ بالهجرة. لأن الله أراد أن تظل الهجرة محفورة في ذاكرة الأمة إلى يوم القيامة — درسًا حيًا لا يُطوى ولا يُنسى.
والأنصار — النموذج الذي أراد الله أن يخلّده
حين وصل النبي ﷺ وصحابته المهاجرون إلى المدينة، لم يجدوا لافتات “اللاجئون عبء”، ولم يجدوا حملات “يأكلون رزقنا ويرفعون الأسعار”. وجدوا الأنصار — ناسًا عاديين فتحوا بيوتهم بلا تردد، وقسّموا طعامهم وهو قليل، وآثروا الغرباء على أنفسهم وهم في ضيق. القرآن الكريم خلّد هذا الموقف في آية لا تزال تُتلى في كل بيت:
“وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ” — سورة الحشر: ٩.
الله لم يمدح الأنصار لأنهم كانوا أثرياء أو لأن عندهم فائض. مدحهم لأنهم أعطوا وهم قليل. لأن الإيثار الحقيقي لا يكون في وقت الوفرة — بل في وقت الضيق. فأين نحن من هذا النموذج الذي خلّده ربنا؟
الحقيقة التي لا نريد أن نسمعها
المهاجرون في مصر اليوم يبلغ عددهم نحو ٩ ملايين شخص من ١٣٣ دولة — من سودانيين وسوريين ويمنيين ودول إفريقية وآخرين. هؤلاء لم يأتوا سياحةً أو مغامرةً. أتوا لأن الحرب طردتهم، أو الجوع، أو الخوف على أطفالهم. وهم يعيشون في ظروف لا يقبلها أحدنا لنفسه لأسبوع واحد.
والحملة عليهم ليست — في حقيقتها — حرصًا على مصر ومصالحها. لأن الحريص الحقيقي على مصر يسأل عن التضخم الذي أكل المدخرات، والبطالة الهيكلية التي تضرب الشباب، وأزمة الإسكان والتعليم والصحة التي تراكمت على مدى عقود. لا يُحمّل لاجئًا فقيرًا يعيش على الهامش وزر منظومة أخفقت قبل أن يصل بسنوات طويلة.
الحملة على المهاجر في معظمها بحث عن كبش فداء يصرف الغضب عن أسبابه الحقيقية — وهذه لعبة قديمة يعرفها التاريخ جيدًا، ولم تنتهِ في أي زمن إلا بخسارة الجميع.
والأخطر من كل ذلك أن خطاب الكراهية الداخلي هذا ليس بريئًا في توقيته. نحن في لحظة تاريخية تحتاج فيها مصر إلى أقصى درجات التماسك والتكاتف الاجتماعي — والشقوق التي يفتحها هذا الخطاب في النسيج المصري هي هدية مجانية لكل من يريد اختراق هذا المجتمع وزعزعة استقراره من الداخل. العدو الخارجي لا يحتاج إلى جيوش حين نوفر له أدوات الانهيار بأيدينا.
خاتمة — لمن يريد أن يتذكر
إذا كنت مسلمًا، فنبيك كان مهاجرًا، والتقويم الذي تعيش به يبدأ بالهجرة.
إذا كنت مصريًا، فأربعة عشر مليونًا من أهلك مهاجرون في بلاد غيرهم، يرسلون ٤١ مليار دولار كل عام ويبكون على بلدهم في الغربة — وبعضهم يموت غرقًا في بحار أوروبا التي يتهمها بالعنصرية.
إذا كنت إنسانًا، فالغريب الخائف لا يستحق الكراهية — يستحق الكرامة.
الأنصار لقب خلّده الله في قرآن يُتلى إلى يوم القيامة.
والشامتون بالمهاجر؟ لم يُخلّد التاريخ اسم واحد منهم بخير.