في غزة، ليست الصواريخ وحدها هي التي تقتل؛ فثمة حرب خفية تشن ضد “الأرقام”، تهدف إلى محو الضحية من الذاكرة ومن السجلات الرسمية. حين اقتحم الاحتلال مجمع الشفاء الطبي، لم يكن يستهدف الجدران فقط، بل كان يستهدف “القلب النابض” للمنظومة الصحية: مركز البيانات الرئيسي.
مسؤول مركز المعلومات بغزة يكشف لـ “القصة” أسرار حرب البيانات والموت
في هذه السطور، يفتح الدكتور زاهر الوحيدي، مسؤول مركز المعلومات في وزارة الصحة بقطاع غزة لـ “القصة”، صندوق الأسرار التقنية لوزارة الصحة، يروي كيف تم إنقاذ البيانات في اللحظات الأخيرة، وكيف استخدم الذكاء الاصطناعي لفرز الشهداء، ولماذا تعتبر أرقام الوزارة “الأصدق” عالمياً رغم الفوضى.
معركة الساعات الأخيرة.. إنقاذ “الذاكرة” قبل سقوط الخوادم
بدأ زاهر الوحيدي حديثه قائلاً: “دعني أوضح المشهد منذ البداية نحن في مركز المعلومات -وحدة المعلومات الصحية- نقوم برصد وتوثيق كل شاردة وواردة: الشهداء، الجرحى، استهداف الطواقم الطبية، تتبع الأمراض و الأورام، الخارطة السريرية، وتوزيع الخدمات، كل المنظومة كانت محوسبة بالكامل”.
وأضاف: “كان لدينا مركز بيانات رئيسي في “الشفاء” وآخر احتياطي في “الرنتيسي”، مع بدء الحرب في 7 أكتوبر، استمر العمل إلكترونياً حتى اللحظة الفارقة في 10 نوفمبر 2023.
وأكمل: حين اقتحم الاحتلال الشفاء، دمروا الخوادم (Servers) تماماً واستولوا على وحدات التخزين، و فعلوا ذات الأمر في مجمع الرنتيسي، سقطت المنظومة، وانهارت الأنظمة، و انقطعنا عن السجل المدني لكن، وبحكم عملنا بنظام الطوارئ، كنا قد احتفظنا بنسخ احتياطية لكافة البيانات حتى قبل 24 ساعة من الاقتحام.. كانت هذه هي النواة التي أنقذت تاريخنا من المحو”.
الشتات الرقمي: كيف تدار وزارة صحة من “خيمة”؟
أوضح الوحيدي، أنها كانت فترة مظلمة تقنيًا، في نوفمبر، سقطت مستشفيات الشمال “النصر، العيون، الرنتيسي، ثم كمال عدوان و الإندونيسي”، وبقيت مستشفيات مثل “العودة” و”الأهلي العربي” تعمل لكنها مستشفيات خاصة وغير متصلة بأنظمتنا المحوسبة.
مشيراً إلى أن في الجنوب، كانت مستشفيات “شهداء الأقصى، ناصر، أبو يوسف النجار، والهلال الإماراتي” تعمل ولكن “بصمت إلكتروني”؛ أي دون اتصال بالخادم المركزي، إذا جاء شهيد بلا هوية، يضطر الموظف لتسجيله بناءً على إفادة المرافقين “اسم ثلاثي أو ثنائي، تاريخ ميلاد تقديري”، مما أوجد “فجوة بيانات” مرعبة.
كيف ردمتم هذه الفجوة؟ وكيف استعدتم السيطرة على الأرقام؟
أكد الوحيدي، أنه انتقل بفريقه إلى مدينة رفح، وتحديداً إلى مستشفى الهلال الإماراتي، ولأنه لا توجد لديهم سيرفرات مادية بعد الآن، اتخذ قراراً استراتيجياً باستئجار مساحات سحابية (Cloud Spaces)، رفعنا الأنظمة والنسخ الاحتياطية على “السحابة”، وبحلول الأول من ديسمبر 2023، أعدنا تفعيل مركز البيانات والتقرير اليومي الإلكتروني، وأعادنا ربط المستشفيات الحكومية بنظام مركزي، وأنشأنا رابطاً إلكترونياً لتبليغ الأهالي عن المفقودين ومن هم تحت الأنقاض.
الذكاء الاصطناعي في قلب الموت.. حل لغز “الأسماء المتكررة”
في هذا الصدد، قال الوحيدي “واجهنا تحدي الأسماء المتشابهة في العائلات الكبيرة (مثل عائلات الأسطل، الفرة، الأغا، المصري، والحداد). أحياناً يختار موظف الطوارئ اسماً من السجل المدني يطابق الاسم الثلاثي للشهيد، ليكتشف لاحقاً أن الاسم الذي اختاره لشخص لا يزال على قيد الحياة”.
مضيفاً إلى أنه: “استخدمنا أدوات تحليل متقدمة والذكاء الاصطناعي لتتبع “سلسلة الأقارب” لفك لغز أي شهيد مجهول أو ببيانات ناقصة، يقوم النظام بتحليل: من هم المصابون أو الشهداء الذين وصلوا معه في نفس الساعة؟ ومن نفس منطقة الاستهداف؟ ومن هي دائرة أقاربه المسجلة؟ هذا “التحليل العنقودي” سمح لنا بتصحيح هويات المئات، وبحلول أكتوبر 2024، أستطيع القول إننا وصلنا لدرجة تيقن تقارب 100% بأسماء دقيقة وأرقام هويات صحيحة”.
المصادر الثلاثة.. كيف يُبنى “رقم” وزارة الصحة؟
أشار الوحيدي، إلى أن بياناتنا تعتمد على ثلاثة روافد لا تقبل الشك:
- سجلات الطوارئ: للمستشفيات الحكومية المرتبطة بالنظام المركزي.
- الرابط الإلكتروني: لبلاغات الأهالي عن الشهداء والمفقودين الذين لم يصلوا للمستشفيات -وهم يمثلون حوالي 35% من الإجمالي-.
- ملفات الإكسل “Excel”: التي تصلنا من المستشفيات الميدانية والأهلية والخاصة، والتي نقوم بتدقيقها لمنع التكرار.
مشيراً إلى أنه قد استغرقوا 8 أشهر من التدقيق المستمر لتقليص الفارق بين “العدد الإجمالي” و”مكتملي البيانات” حتى وصلوا للمطابقة التامة.
التوثيق كفعل قضائي.. لماذا ترفضون بعض “البلاغات”؟
قال الوحيدي: “مطلقاً نحن ندير ملفاً بشفافية عالية بعيداً عن أي استخدام سياسي، أي بلاغ عبر الرابط الإلكتروني يخضع لسلسلة إجراءات معقدة: يجب أن يمثل ذوو الشهيد أمام القضاء لإثبات الوفاة، تعرض الحالة على لجنة مختصة تضم -وزارة الصحة، العدل، النيابة العامة، المباحث، الادله الجنائية والطب الشرعي-، نطابق الزمان والمكان؛ هل حدث استهداف في تلك المنطقة في ذلك الوقت؟ -عبر إشارات المباحث والشرطة-.
وأضاف: نحن نوثق الاستهداف المباشر فقط، من مات بسبب البرد، أو سوء التغذية، أو منع السفر للعلاج، يُصنف كـ “وفاة غير مباشرة” ولهم سجلات منفصلة تماماً عن شهداء القصف المباشر.
البيانات كوثيقة إدانة دولية
وبسؤاله عن تواصل جهات دولية معهم بخصوص هذه البيانات؟ أجاب الوحيدي نعم، وبشكل دائم، بياناتنا هي “وثيقة اتهام قانونية”، محكمة الجنايات الدولية على تواصل دائم معي، ونزودهم بكل تفاصيل استهداف المرافق الصحية والشهداء، كما اعتمدت عليها كبرى الصحف العالمية مثل “الجارديان، واشنطن بوست، سكاي نيوز” في تحقيقات استقصائية أثبتت دقة ومصداقية أرقامنا من خلال التحليل الإحصائي للأنماط “Patterns”.
ما هو الهاجس الذي يلاحقك وأنت تدير هذا “الجبل من البيانات”؟
أوضح الوحيدي، بأن الهاجس هو “المفقودون تحت الأنقاض”، هناك 8000 شهيد لم يصلوا إلينا. هناك عائلات أبيدت بالكامل ولم يبقى من يبلغ عنها. نحن نبذل جهداً خرافياً لضمان عدم مسح هؤلاء من التاريخ.
واختتم حديثه قائلاً: “لقد تنقلت بفريقي تحت التهديد والقصف من غزة لرفح لخانيونس ثم غزة مجدداً، واستخدمنا شرائح الـ eSIM لكسر حصار الإنترنت، كل ذلك من أجل هدف واحد: ألا يتحول الشهيد إلى مجرد رقم ضائع، بل قصة موثقة ووثيقة إدانة لا تموت”.