الحلقة الثانية من مسلسل “أصحاب الأرض” تواصل الغوص في عمق المأساة الإنسانية في غزة، دون افتعال أو مبالغة، بل بلغة بصرية هادئة ومؤلمة في آن واحد، ويُحسب لصناع العمل حرصهم على التنويه بأن بعض المشاهد قد تكون قاسية على فئات عمرية معينة، وهو تنويه ضروري في دراما تتعامل مع واقع لا يحتمل التجميل.
المشهد الأول: هاتف وسط الركام
تبدأ الحلقة بمشهد بالغ الإنسانية.
يعثر ماجد على هاتف شقيقه ناصر يرن بين الركام.
المتصلة ابنته الموجودة في الضفة الغربية.
بلهفة تسأل عن والدها، فيجيبها بصوت مكسور:
«لا… عمك ماجد».
تسأل: «فين بابا؟»
فيأتي الرد القاسي: «معرفش… لقيت التليفون بس».
تغلق الطفلة الهاتف، وتخرج إلى شرفة منزلها، لتصطدم بمشهد تهجير قسري للفلسطينيين في الضفة الغربية واستيلاء المستوطنين على البيوت.
مشهد مكثف يجمع بين ركام بيت في غزة، وقلق طفلة في الضفة، في لقطة تختصر المسافة بين جغرافيتين يجمعهما الألم ذاته. لا خطب سياسية، فقط صمت ثقيل يحمل كل المعنى.
المشهد الثاني: المستشفى.. حين يصبح العلاج معركة
داخل غرفة العمليات التي تعرضت للقصف في نهاية الحلقة الأولى، يبدأ المشهد الأكثر ألمًا.
ناصر يبحث عن ابن أخيه يونس وسط الفوضى، يحمله وهو يصرخ: إلى أين يذهب به؟
الممرضون يحاولون إنقاذ الجرحى، وأطباء عالقون تحت أنقاض غرفة العمليات.
من بين المصابين سلمى، الطبيبة المصرية، التي تعاني من صدمة وارتجاج شديدين.
تخبرها طبيبة أخرى أن ما تشعر به أثر الصدمة، ثم تساعدها على الخروج.
لاحقًا، تبلغها إدارة المستشفى بأن المتبقي غرفة عمليات واحدة فقط، وسيتم ترتيب العمليات حسب الأولوية.
تقول سلمى بمرارة:
«كل تأخير على أي حالة ممكن يؤدي للوفاة».
لكن الواقع أقسى من أي نقاش أخلاقي.
في طريقها للبحث عن شبكة اتصال، ترى ناصر واقفًا في طابور طويل لملء زجاجة ماء صغيرة؛ مصدر المياه الوحيد يخدم المستشفى والمناطق المحيطة.
على السطح، تحاول إحدى الطبيبات التواصل مع رئيسة الهلال الأحمر المصري لإدخال جهاز تنفس صناعي. يأتي الرد:
«إحنا بندخل رز ومكرونة بالعافية».
المشهد لا يصرخ، بل يعري واقعًا:
غرفة عمليات واحدة.
ماء شحيح.
شبكة شبه معدومة.
أجهزة إنقاذ ممنوعة.
ثم يأتي الحوار الإنساني الأعمق.
الطبيبة تكشف أن زوجها استشهد، وأن طفلها ذو 6 سنوات توفي.
حين تسألها سلمى: «انتي أم؟»
تجيب: «كنت…».
كلمة واحدة تختصر انهيار عالم كامل.
المشهد الثالث: الاستغلال في زمن الكارثة
يظهر متطوع من الأونروا، يفترض أن يكون عنصر دعم، لكنه يكشف وجهًا آخر للحرب: استغلال المأساة.
يعرض على ناصر تهريبه مقابل مبلغ مالي كبير، مؤكدًا أن النجاة في السفر.
هنا لا يُدان الضعف، بل يُدان الاتجار به.
الكارثة تتحول عند البعض إلى صفقة.
المشهد الرابع: الضميران
ذروة الحلقة تأتي في مواجهة بين ضميرين:
ماجد: الثابت على الأرض.
ناصر: المتعب، الباحث عن النجاة.
يخبر ناصر شقيقه أن الأسرة كلها استشهدت، ولم يتبق سواهما ويونس.
يسأله ماجد: «لسه مُصر تسافر؟»
يجيب: «آه… واللي حواليا بيشجعني».
يحاول ماجد إيقاظ ضميره: «طب ويونس؟»
ينفجر ناصر: «أنا اللي حميت يونس… مش عايز أحمل بناتي زي ما حملته».
يرد ماجد: «دي أرضنا».
فيصرخ ناصر: «كفاية شعارات! أنا عايز أعيش».
فيجيبه بهدوء موجع: «دي مش شعارات… كلنا عايزين نعيش، ومحدش فينا اختار الموت».
المشهد لا يقدم بطلاً وخائناً، بل إنسانين ممزقين بين حقين متوازيين:
حق الحياة… وحق الكرامة.
المشهد الأخير: لا مكان آمن
يذهب ماجد لإبلاغ أسرة رامي باستشهاده.
ينهار شقيقه، ويحاول ماجد إقناع الأب بمغادرة المنزل خوفًا من القصف.
يرفض الأب: البيت ليس جدرانًا، بل ذاكرة عمر.
يطلب من ابنه الآخر المغادرة مع ماجد، ويودعه قائلاً:
«مش عايز قلبي يتحرق عليك… كفاية أخوك».
مشهد ختامي يوجع القلب، ويؤكد الفكرة الأوضح في الحلقة:
البيت هوية.
والاقتلاع ليس انتقالًا جغرافيًا، بل اقتلاع من الذات.
قراءة عامة للحلقة
الحلقة الثانية من “أصحاب الأرض” لا تعتمد على مشاهد صادمة بقدر اعتمادها على الصمت، وعلى الحوارات القصيرة الثقيلة بالمعنى.
المستشفى ساحة معركة.
الماء رفاهية.
الهاتف خيط أمل مكسور.
السفر سؤال أخلاقي.
البيت ذاكرة مهددة.
والحقيقة الأكثر قسوة التي تتركها الحلقة في وجدان المشاهد:
لا يوجد مكان آمن في غزة.