لم يعد الصراع في المنطقة مجرد تبادل للرسائل المشفرة عبر الصواريخ، بل تحول إلى “مقامرة كبرى” على حافة الهاوية بين استهداف “عصب الحياة” في حقول الغاز الإيرانية واغتيال عقل الدولة في طهران، تبرز ملامح خطة أمريكية-إسرائيلية تهدف لرسم خارطة جديدة للشرق الأوسط.
هل تنجح إسرائيل في جر العرب لحرب نيابة عنها ضد إيران؟
فهل وقعت المنطقة في فخ “العدو المفترض”؟ وكيف تحولت السماء إلى مختبر مفتوح لتجار السلاح؟ في هذا التقرير، تكشف “القصة” كواليس الصراع الذي قد يطلق “رصاصة النهاية” في وجه الجميع.
“فخ بارس” وبداية الانفجار الكبير
في تشخيصه لجذور التصعيد الحالي، يقول الدكتور مختار غباشي، المحلل السياسي لـ”القصة”، أن الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران اتخذ منعطفاً بالغ الخطورة، بدءاً من استهداف إسرائيل والولايات المتحدة لحقل “بارس الجنوبي”، هذا الاستهداف لم يكن عشوائياً، فهذا الحقل يمثل عصب الاقتصاد الإيراني (75% من إنتاج الغاز)، ويؤمن 40% من احتياجات العراق.
ويرى غباشي أن هذا الهجوم وضع المنطقة بكاملها على حافة الانفجار، فالرد الإيراني الذي استهدف مركز “رأس لفان” لتصدير الغاز المسال القطري، والتهديدات الجدية بضرب كل المصافي والشركات ذات الصلة بالمصالح الأمريكية، يؤكد أن المواجهة تجاوزت الخطوط الحمراء.
ويضيف غباشي بُعداً آخر للأزمة، وهو دخول حزب الله اللبناني القوي على خط الصراع، وتوجيه ضربات موجعة لشمال إسرائيل ومستوطناتها مثل حيفا وعسقلان ويافا، مما يفاقم التوتر الشديد أصلاً في الساحة اللبنانية وغلاف غزة.
اغتيال “عقل الدولة”.. هل اقتربت “طلقة النهاية”؟
يرسم غباشي صورة قاتمة للأهداف الأمريكية-الإسرائيلية، معتبراً أن إسرائيل والولايات المتحدة هما من بدأ الحرب وغذى نيرانها ويستدل على ذلك بسلسلة الاغتيالات التي طالت “رؤوس النظام” في إيران: بدءاً من مرشد الثورة علي خامنئي وأركان نظامه، مروراً بمستشار الأمن القومي علي لاريجاني، وصولاً إلى قائد الباسيج غلام رضا سليماني وإسماعيل خطيب قائد الاستخبارات الإيرانية.
الرسالة التي تريد تل أبيب وواشنطن إيصالها – بحسب غباشي – هي “نهاية إيران”، سعياً للسيطرة الكاملة على مقدرات المنطقة بلا منافس، ويحذر غباشي من أن الهدف النهائي هو إحداث “صدام بين العالم العربي وإيران”؛ حيث يفرض استهداف حقول الغاز والنفط الإيرانية رداً إيرانياً على مصالح أمريكية في حقول عربية، وهو سيناريو يخدم الكيان الإسرائيلي وحده، ويدعو غباشي العالم العربي لـ “الفطنة والذكاء” وعدم استبدال العدو الحقيقي إسرائيل بعدو مفترض إيران، والضغط على واشنطن وتل أبيب لوقف اعتداءاتهما المتواصلة.
ويرى غباشي أنه بينما أطلقت إسرائيل وواشنطن “طلقة البداية”، فإن “طلقة النهاية” قد تكون إيرانية بامتياز فإيران التي تستشعر “غدراً خيانة دبلوماسية” أمريكية مصرة على الثأر لرموزها، وتفكيك “العقدة الاستراتيجية” التي تمثلها إيران ليس مسألة سهلة كما يتوهم الخصوم.
“مختبر الموت” وتجار السلاح
ومن جانبه، يحلل اللواء سمير فرج، الخبير العسكري، التطور النوعي للأسلحة في هذه المواجهة وفي إجابته عن “الفائز” حتى الآن، يرى فرج أن المستفيد الأوحد هم “شركات تصنيع الأسلحة” فالحرب الحالية على غرار الحرب الروسية الأوكرانية تحولت إلى ميدان لتطوير المنظومات: الصواريخ الباليستية تطور قدراتها على المناورة وتجاوز الدفاعات، بينما تطور أنظمة الدفاع الجوي مثل القباب الحديدية قدراتها على الاعتراض.
ويؤكد اللواء فرج لـ “القصة” أن كل طرف يحقق مكاسب ويمنى بخسائر: “السيارات تُضرب كل يوم وتُسقط في دول الخليج، والمسيرات تضرب كل يوم في إيران.. لا يمكن تحديد من القادر ومن غير القادر الآن” ويدعو فرج للتريث قبل استخلاص أي نتائج نهائية: “It’s too early to reach conclusions”.
ويرفض اللواء فرج الحديث عن “توازن مرعب” في الوقت الحالي، مؤكداً أن نهاية الحرب هي التي ستكشف عن الفعالية الحقيقية لعناصر القوة، لكنه جزم بأن التطور المستمر في أنظمة الصواريخ والدفاع الجوي “غير وسيغير شكل الحروب كلياً”. ولعل أبرز تجليات هذا التغيير هو الاستخدام الواسع للطائرات المسيرة الدرونز، التي قلبت المفاهيم التقليدية للطيران (مثل F-16 التي تكلف 90 مليون دولار)، متسائلاً عن مستقبل المسيرات “الشبحية” التي قد تصبح غير مرئية للرادارات بعد انتهاء هذه الحرب.