بينما كانت أضواء برج إيفل تترقب هدوء ليل باريس، ألقى “جان لوك ميلانشون” حجرا ثقيلا في مياه السياسة الفرنسية الراكدة للمرة الرابعة، يقرر “ثعلب اليسار” الراديكالي خوض غمار السباق نحو قصر الإليزيه، فاتحا الباب أمام تساؤلات لا تنتهي: هل نضجت الظروف لعودة اليسار إلى الحكم، أم أن “ميلانشون” يطارد سرابا في زمن يكتسحه اليمين المتطرف؟
في قلب هذا المشهد المعقد، حصلت القصة” على قراءة تحليلية خاصة من الدكتور أحمد سيد أحمد، الخبير في الشؤون الدولية، الذي فكك شفرات هذه الخطوة وتداعياتها على مستقبل القارة العجوز.
وحدة بـ “طعم الانقسام”
يرى الدكتور أحمد سيد أحمد أن إعلان ميلانشون ليس مجرد “رغبة في الترشح”، بل هو محاولة لفرض أمر واقع على عائلة اليسار المشتتة. ويؤكد في تصريحاته لـ “القصة”: “اليسار الفرنسي يعيش حالة من وحدة الضرورة، فالجميع يدرك أن التشرذم يعني الانتحار أمام زحف اليمين المتطرف، لكن شخصية ميلانشون الراديكالية تظل هي العقدة والحل في آن واحد”.
ويضيف سيد أن المشكلة تكمن في “الفجوة الأيديولوجية”، حيث يجد الاشتراكيون والبيئيون صعوبة في الهضم الكامل لأطروحات ميلانشون الصدامية مع المؤسسات الأوروبية، مما يجعل جبهة اليسار “بنيانا مرصوصا من الخارج، وهشا من الداخل”.
غضب الشارع وصندوق الاقتراع
لا يمكن قراءة فرص اليسار بمعزل عن “أنين الشارع”. ففرنسا التي لم تهدأ احتجاجاتها منذ أزمة قانون التقاعد، تبحث عن بديل لـ “ماكرونية” أرهقت الطبقة الوسطى.
ويوضح الخبير في الشؤون الدولية، لـ “القصة” أن “الأوضاع الاقتصادية المتأزمة هي الوقود الحقيقي لمحرك ميلانشون هو يعزف على أوتار الغضب الاجتماعي ببراعة، لكن الرهان يظل: هل ينجح في إقناع الناخب القلق بأن برنامجه يمثل الاستقرار البديل وليس الفوضى المنظمة؟”.
زلزال في بروكسل وواشنطن
لو حدثت المفاجأة ووصل ميلانشون للحكم، فإن العالم لن يستيقظ على فرنسا التي يعرفها يحذر الخبير في الشؤون الدولية، من “انقلاب دبلوماسي” وشيك، مؤكدًا أن وصول اليسار الراديكالي يعني إعادة تعريف علاقة باريس بالناتو، والابتعاد عن التبعية المطلقة لواشنطن، مع تبني نهج أكثر صداما مع الاتحاد الأوروبي في ملفات السيادة المالية.
أما بالنسبة للشرق الأوسط، فيرى سيد أن ميلانشون سيميل لتبني مواقف أكثر إنصافا للقضية الفلسطينية وأكثر نقدا للسياسات الإسرائيلية، وهو ما يمثل تحولا جوهريا في الدور الفرنسي بالمنطقة.
منعطف وجودي
بين طموح ميلانشون، وتأهب “مارين لوبان”، وانكسار “الوسط”، تبدو فرنسا أمام “الجمهورية السادسة” التي طالما حلم بها اليسار، أو أمام انزلاق تاريخي نحو أقصى اليمين.
يختتم الدكتور أحمد سيد أحمد رؤيته لـ “القصة” قائلًا: “نحن لا نتحدث عن مجرد انتخابات، بل عن إعادة صياغة لهوية فرنسا السياسية انتخابات 2027 ستكون اللحظة التي يختار فيها الفرنسيون: هل يرممون النظام الحالي، أم يهدمون المعبد ويبدأون من جديد؟”.