رغم الحراك الدبلوماسي المكثف وجولات المباحثات التي نشطت خلال الأشهر الماضية، لا تزال مفاوضات وقف إطلاق النار في قطاع غزة تراوح مكانها داخل حلقة مفرغة من الجمود حيث يتزامن هذا الاستعصاء السياسي مع استمرار العمليات العسكرية على الأرض وتبادل الاتهامات بين الأطراف حول المسؤولية المباشرة عن تعثر التوصل إلى اتفاق نهائي ينهي الحرب. وفي وقت تبحث فيه الأوساط الدولية عن صيغة تضمن إنهاء معاناة المدنيين، تبرز تعقيدات إدارية وأمنية تخص مستقبل القطاع وهيكلة أجهزته كحجر عثرة أمام جهود الوسطاء.
اتفاق الـ 15 بنداً.. كواليس التفاهمات حول “سلاح المقاومة”
كشف المحلل السياسي والمتخصص في الشأن الفلسطيني دكتور أيمن الرقب، في حديثه لـ”القصة”، إن الفترة الأخيرة شهدت جولات تفاوض مكثفة بمشاركة الوسطاء المصريين والقطريين والأتراك، إلى جانب حضور أمريكي، بهدف التوصل إلى تفاهمات تمهد للانتقال إلى المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار.
وأوضح الرقب أن الفصائل الفلسطينية وافقت، بعد نقاشات مطولة، على خارطة طريق مكونة من 15 بندا، مع تعديلات وصفها بأنها “طفيفة”، مشيرًا إلى أن أبرزها يتعلق بملف سلاح المقاومة، وجرى الاتفاق -بحسب قوله- على تسليمه تدريجيًا إلى الشرطة الفلسطينية خلال فترة تتراوح بين ستة أشهر وعام، تجنبا لحدوث فراغ أمني قد تستغله إسرائيل لإنشاء مجموعات مسلحة موالية لها داخل القطاع.
ويرى الرقب أن العقبة الأساسية لا تكمن في موقف الفصائل، و إنما في الشروط الإسرائيلية، موضحاً أن إسرائيل ترفض تسليم السلاح للشرطة الفلسطينية، كما تعترض على مشاركة أي موظف سبق له العمل في حكومة حماس ضمن المؤسسات التي ستتولى إدارة القطاع مستقبلا، وهو ما يعتبره الفلسطينيون شرطا غير واقعي ويصعب تطبيقه.
ميزان القوى بالمفاوضات.. تراجع الأوراق العسكرية وملف الأسرى
وحول استخدام العمليات العسكرية كورقة ضغط في المفاوضات، قال الرقب إن إسرائيل هي الطرف الذي يواصل التصعيد العسكري، مؤكدًا أن الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، لم تعد تمتلك القدرة العسكرية التي تسمح لها باستخدام القوة للضغط خلال المفاوضات، مضيفاً أن الأولوية الحالية بالنسبة لها تتمثل في الحفاظ على الأمن الداخلي داخل القطاع.
وأشار إلى أن ملف الأسرى الإسرائيليين لم يعد يمثل، من وجهة نظره، ورقة تفاوض رئيسية، معتبرًا أن الخلافات الحالية تتركز حول مستقبل إدارة قطاع غزة، وسلاح الفصائل، وآلية تشكيل الأجهزة الأمنية والإدارية التي ستدير القطاع بعد انتهاء الحرب.
وبشأن دور الوسطاء، أشاد الرقب بالتحركات التي تقودها مصر وقطر، معتبرًا أنها أسهمت في دفع المفاوضات خلال الأسابيع الأخيرة، لكنه رأى في المقابل أن الولايات المتحدة لم تمارس ضغطًا كافيًا على إسرائيل، وهو ما اعتبره أحد أسباب استمرار تعثر المباحثات.
وحذر الرقب من أن استمرار العمليات العسكرية قد يكون مرتبطًا بحسابات سياسية إسرائيلية داخلية، في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، معربًا عن مخاوفه من تنفيذ مخططات تهدف إلى إعادة رسم الواقع السكاني في قطاع غزة، عبر توسيع السيطرة العسكرية ودفع أعداد كبيرة من السكان إلى النزوح، مؤكدًا أن الفلسطينيين لا يزالون يتمسكون بالبقاء في أرضهم رغم الظروف الإنسانية الصعبة.
واختتم الرقب حديثه بالتأكيد على أن فرص التوصل إلى اتفاق لا تزال قائمة، لكنها، بحسب تقديره، تبقى مرهونة بوجود ضغوط دولية حقيقية تدفع جميع الأطراف إلى تنفيذ تفاهمات تضمن وقف إطلاق النار وإنهاء معاناة المدنيين في قطاع غزة.