في الثانية والعشرين من عمره، يضع شاب أغنية صدرت قبل أن يولد بسنوات، لكنه يعرف كلماتها كاملة تقريبًا. يبحث عن صور شوارع القاهرة القديمة، يتأمل السيارات والملابس وواجهات المحال، ثم يلتقط لنفسه صورة بملابس مستوحاة من زمن لم يعشه.
لم تكن الثمانينيات جزءًا من ذاكرته، لكنها أصبحت جزءًا من حنينه.
لم تعد المسألة مجرد اهتمام فردي بأغنية قديمة أو صورة من أرشيف العائلة. خلال الفترة الأخيرة، أعادت موجة من الصور المصنوعة بالذكاء الاصطناعي أجواء الثمانينيات والتسعينيات إلى منصات التواصل في مصر، وشارك فيها مستخدمون ومشاهير، ليصبح الماضي نفسه مادة لصناعة محتوى جديد.
لكن وراء هذه الصور والأغاني سؤال أكبر: كيف يحن الإنسان إلى زمن لم يعشه أصلًا؟ وهل نحن أمام إعجاب حقيقي بالماضي، أم أن الحنين محاولة للعثور على شيء يفتقده الحاضر؟
الماضي يعود من الشاشة
الإحصاءات الرقمية تشير إلى أن الأغاني القديمة لم تفقد حضورها لدى الجمهور الجديد. فأغنية «تملي معاك» لعمرو دياب، التي صدرت في نهاية التسعينيات، تجاوزت 330 مليون مشاهدة على يوتيوب وفق أحدث بيانات الرصد، وما زالت تحصد عشرات الآلاف من المشاهدات يوميًا، إذ سجلت خلال عدة أيام من سبتمبر 2026 قرابة 180 ألف مشاهدة يوميًا.
أما «نور العين»، فتجاوزت 193 مليون مشاهدة على يوتيوب، إلى جانب أكثر من 83 مليون استماع على Spotify.
ولا يقتصر الأمر على عمرو دياب؛ فوفقًا لآخر عمليات رصد، عادت أغاني الفنانين هاني شاكر ومحمد منير والفنانة أنغام إلى الظهور بقوة على محركات البحث.
وفي مصر، التي بلغ عدد مستخدمي الإنترنت فيها نحو 98.2 مليونًا بنهاية 2025، مع نحو 51.6 مليون هوية مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي، أصبح استدعاء الماضي وإعادة تدويره أسهل من أي وقت مضى. أغنية قديمة، صورة أرشيفية، أو مشهد من فيلم، يمكن أن تعود إلى التداول خلال ساعات، وتصل إلى جمهور لم يكن موجودًا أصلًا عندما صُنعت.
هنا يظهر جيل جديد يعرف الماضي من دون أن يكون قد عاشه.
حنين إلى «ماضٍ مستعار»
المشهد على مواقع التواصل يوحي بأن الشباب، خصوصًا أبناء الأجيال التي ولدت بعد الثمانينيات، يمثلون جزءًا أساسيًا من التفاعل مع هذه الموجة.
شاب في الثانية والعشرين يتعامل مع أغنية أقدم منه باعتبارها جزءًا من عالمه الثقافي، وشباب آخرون يعيدون تشكيل صورهم بملابس وتسريحات تنتمي إلى زمن سابق لعصرهم.
لم يحتاجوا إلى أن يعيشوا الثمانينيات كي يعرفوها. يكفي أن يجدوا تلك السنوات في أغنية، أو صورة لوالديهم، أو فيلم قديم، أو حكاية تتكرر داخل الأسرة، أو فيديو تقترحه خوارزميات المنصات.
وهنا تختلف الظاهرة عن الحنين التقليدي. فالإنسان غالبًا يحن إلى ما عاشه، أما اليوم، فيستطيع جيل كامل أن يحن إلى «ماضٍ مستعار».
لكن ماذا يرى هؤلاء الشباب عندما ينظرون إلى هذا الماضي؟
الناس بتحن لإيه؟
عند الاقتراب من الشباب أنفسهم، لا تبدو الإجابات مرتبطة بتفاصيل تاريخية دقيقة بقدر ارتباطها بـ«الإحساس».
يقول كريم جمال، 22 عامًا: «أنا لا أحن إلى سنوات عشتها، أنا أحن إلى حالة». بالنسبة إليه، تمنحه الأغاني القديمة شعورًا بالهدوء والدفء، ويشعر أن الفن في تلك الفترة كان أقرب إلى المشاعر.
أما مروة أبو سالم، فترى أن الحنين في أحيان كثيرة لا يكون إلى زمن محدد، بقدر ما يكون إلى أشخاص رحلوا، أو تفاصيل لم ننتبه إلى قيمتها إلا بعد أن اختفت.
بينما يختصر محمد عواد الحكاية في تفاصيل يومية: جلسة عائلية، كوب شاي، زيارة بلا موعد، ووقت لا تقطعه عشرات الإشعارات.
ربما لا يحن هؤلاء إلى «الثمانينيات» نفسها، وإنما إلى صورة ذهنية صنعوها عنها: زمن أقل ازدحامًا، علاقات أكثر قربًا، وفن يبدو لهم أكثر دفئًا.
لكن إذا كان الشاب لم يعش تلك السنوات، فمن أين جاءت هذه الصورة؟
ذاكرة لا تخصنا
توضح أستاذ علم النفس بجامعة الأزهر، الدكتورة جيهان النمرسي، في تصريحات خاصة لـ«القصة»، أن الإنسان يحتفظ بخبراته ومواقفه وأحداث حياته في الذاكرة طويلة المدى، ويمكن لموقف أو صوت أو رائحة أو صورة أن يستدعي ذكرى قديمة مرتبطة به.
لكن الذاكرة لا تأتي من التجربة الشخصية وحدها. فالأسرة تنقل إلى الأبناء صورًا وحكايات وأغاني وتفاصيل عن الحياة القديمة، ومع تكرارها تتشكل علاقة عاطفية بمرحلة لم يعشها الابن بنفسه.
فربما لا يتذكر مناسبة ظهرت فيها صورة قديمة لوالديه، لكنه يتذكر الطريقة التي كانا يتحدثان بها عنها. ومع الأفلام القديمة ومقاطع الفيديو والمحتوى الرقمي، تكتمل الصورة.
المشكلة أن ما يصل إلى الجيل الجديد ليس بالضرورة نسخة كاملة من الماضي. إنها صورة منتقاة تحتفظ بالأغاني والملابس والشوارع والعلاقات الإنسانية، بينما تتراجع في الخلفية تفاصيل أصعب، مثل الفقر ومحدودية الخدمات والظروف الاجتماعية.
وهكذا يصبح الحنين، في جانب منه، حنينًا إلى الصورة التي صنعها المجتمع والإعلام عن الماضي، وليس إلى الماضي بكل تناقضاته.
حين يصبح الماضي ملاذًا
يبقى السؤال النفسي: هل الحنين إلى زمن لم نعشه «حنين زائف»؟ أم أن الإنسان يستطيع فعلًا تكوين ارتباط عاطفي بمرحلة تاريخية لم يعشها؟
توضح الدكتورة جيهان النمرسي أن استدعاء الذكريات القديمة والاحتفاظ بمقتنيات تربط الإنسان بطفولته وتاريخه أمر طبيعي، ما دام لا يتحول إلى انفصال عن الواقع. فعندما يتعرض الإنسان للضغط النفسي، قد تعود ذاكرته إلى مراحل ارتبطت لديه بالهدوء والدعم الأسري وقلة المسؤوليات، مثل سنوات الطفولة أو بيت العائلة.
لكن الأمر لا يتوقف عند الذكريات الشخصية. يرى أستاذ علم النفس المساعد بجامعة عين شمس، الدكتور أحمد فخري، في تصريحات خاصة لـ«القصة»، أن الحنين ربما يرتبط بالحاجة إلى الشعور بالأمان والراحة، خصوصًا عندما يواجه الإنسان ضغوطًا نفسية أو قلقًا أو اغترابًا أو تراجعًا في إحساسه بجودة الحياة.
ومن هنا، لا يشترط أن تكون الذكرى شخصية ومباشرة حتى يكون تأثيرها النفسي حقيقيًا. فقد يرتبط الإنسان بأغنية أو صورة أو حكاية لأنها تمنحه إحساسًا بالطمأنينة، حتى لو لم يعش الظروف التي أنتجتها.
وبالتالي، فالشاب لا يستعيد ذكرى شخصية من الثمانينيات، وإنما يستدعي صورة نفسية وعاطفية عنها، تشكلت من الأسرة والمجتمع والإعلام والمحتوى الرقمي.
ولا يصبح الحنين مشكلة لمجرد أنه يتعلق بزمن لم نعشه. تبدأ المشكلة عندما يتحول الماضي إلى بديل عن الحاضر. فبعض الأشخاص قد يلجأون إلى العيش داخل الذكريات عندما يعجزون عن التكيف مع أوضاعهم الحالية، بينما يميل آخرون إلى رفض التغيير والتمسك بكل ما هو مألوف لأنه يمنحهم شعورًا بالأمان.
العلامة الفارقة هنا بسيطة: أن تحب الماضي شيء، وأن تحتاج إليه كي تحتمل الحاضر شيء آخر.
الحاضر يدفع إلى الوراء
لا يمكن فصل هذا الحنين عن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. فعندما يصبح المستقبل أكثر تكلفة وأقل وضوحًا، يبدأ الإنسان في مقارنته بماضٍ مكتمل يعرف نهايته. يبدو الماضي أكثر أمانًا لأنه حدث بالفعل، بينما يحمل المستقبل أسئلة العمل والسكن والزواج وتكاليف المعيشة.
وتنتشر مقارنات بين أسعار السلع قديمًا وحديثًا، وبين قدرة الموظف البسيط في الماضي على تأسيس أسرة، لكن هذه المقارنات كثيرًا ما تتجاهل انخفاض الأجور ومحدودية الخدمات والإمكانات آنذاك.
ومع ذلك، فالضغوط المادية لا ترهق الجيب فقط، وإنما تستنزف الطاقة النفسية أيضًا. وهنا يصبح الحنين متنفسًا بسيطًا وغير مكلف: أغنية قديمة، صورة، فيلم، مقهى بطابع قديم، أو صورة يصنعها الذكاء الاصطناعي.
لكن هذا الملاذ قد يتحول إلى مشكلة إذا ترسخت قناعة بأن «الحاضر لا أمل فيه».
فالحنين الصحي يمكن أن يمنح الإنسان راحة، ويقوي إحساسه بالهوية، ويصل بين الأجيال، ويعيد الاعتبار لفنون وعلاقات جميلة. أما الحنين المفرط، فقد يحول الماضي إلى معيار مستحيل، ويجعل الحاضر يبدو أسوأ مهما كان، ثم يدفع الإنسان إلى الاستسلام بدل محاولة تغييره.
في النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: «لماذا يحب الشباب الثمانينيات؟».
السؤال الأعمق هو: لماذا يحتاج بعض الشباب اليوم إلى تخيل زمن لم يعيشوه كي يشعروا بأن الحياة كانت يومًا أكثر طمأنينة؟
ربما لأنهم لا يبحثون عن الماضي بقدر ما يبحثون عن شيء يفتقدونه الآن: الهدوء، والدفء، والانتماء، والعلاقات الإنسانية، وإحساس بأن المستقبل يمكن التخطيط له.
هم لا يريدون العودة إلى الثمانينيات.. هم يريدون فقط ما يتخيلونه عنها.