«ناقص دي مش في قاموسي».. بهذه الكلمات يلخص محمد السيد، مريض الفشل الكلوي الذي يخضع لجلسات الغسيل ثلاث مرات أسبوعيًا، معاناته في الحصول على علاجه، فحين يتوجه إلى التأمين الصحي في موعد الصرف، قد يجد الجرعة ناقصة، وقد يعود من دون أن يحصل عليها، ويُطلب منه الرجوع في الأسبوع التالي، ثم يكتشف أن الدواء لا يزال غير متاح.
لا يملك محمد رفاهية الانتظار طويلًا، بحسب روايته؛ فإما أن يحصل على العلاج من التأمين الصحي، أو يستكمل الكمية الناقصة من الصيدليات الخاصة، أو يبحث عن الدواء في أماكن أخرى إذا لم يجده متاحًا. وفي كل مرة لا يحصل فيها على الكمية المطلوبة، يتحول نقص الدواء إلى عبء جديد يضاف إلى معاناته مع المرض.
يقول محمد إنه يضطر أحيانًا إلى شراء خمس أو ست حقن شهريًا من ماله الخاص، بتكلفة تتراوح بين ألف وألف ومائتي جنيه، على أساس أن سعر الحقنة الواحدة يبلغ نحو 200 جنيه، لكن المشكلة تصبح أكثر صعوبة عندما لا يجد العلاج متاحًا في التأمين الصحي طوال فترة الصرف، فيضطر إلى تدبير الجرعات التي يحتاج إليها، والتي قد تصل، بحسب روايته، إلى 12 أو 13 حقنة، على نفقته الخاصة.
لا تتوقف معاناة محمد عند تكلفة العلاج، وإنما تمتد إلى رحلة البحث عنه، إذ يقول إنه مستعد للذهاب إلى محافظة أخرى إذا اقتضى الأمر، لأنه لا يستطيع الاستغناء عن الدواء الذي يحتاج إليه ضمن علاجه.
وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة في ضوء تحذيرات أصدرتها هيئة الدواء المصرية بشأن عبوات مقلدة ومجهولة المصدر من عقار «إيبويتين» بتركيز 4000 وحدة دولية، وهو مستحضر يُستخدم لعلاج الأنيميا في حالات طبية، من بينها مرضى الفشل الكلوي.
تشغيلات ليست المرة الأولى التي تثار بشأنها التحذيرات
حذرت هيئة الدواء المصرية من تشغيلات تحمل أرقام 0326601 من مستحضر EPOETIN 4000 IU، بعدما أفادت شركة سيديكو للصناعات الدوائية، وفقًا للتحذيرات المشار إليها، بأن هذه التشغيلات لا تخص إنتاجها.
ولا تبدو هذه الواقعة، بحسب ما تكشفه التحذيرات المتاحة، المرة الأولى التي يُثار فيها وجود تشغيلة مغشوشة أو مقلدة من العقار نفسه، وهو ما يضاعف الحاجة إلى تتبع مصادر التوريد، والتحقق من العبوات المتداولة، وضمان وصول المستحضر الأصلي إلى المرضى.
وطالبت الهيئة بوقف تداول التشغيلات المعنية وضبطها وتحريزها، في إجراء يستهدف منع تداول عبوات مقلدة أو مجهولة المصدر.
ولا تعني هذه التحذيرات أن الدواء الذي يحصل عليه محمد مغشوش، كما لا توجد معلومات تثبت أنه اشترى إحدى التشغيلات المحذر منها، لكنها تفتح بابًا للتساؤل بشأن كيفية حماية المرضى الذين يحتاجون إلى العلاج بانتظام، وضمان حصولهم على مستحضرات أصلية من مصادر موثوقة.
ففي حالة الأدوية التي يحتاج إليها المريض بصورة مستمرة، لا تقتصر المسألة على اكتشاف العبوات المقلدة بعد ظهورها في الأسواق، وإنما تمتد إلى ضمان توافر العلاج الأصلي، وإحكام الرقابة على انتقاله من الشركة المنتجة إلى الموزع ثم الصيدلية والمريض.
الصيدلي بين التحذيرات وتتبع المصدر
من جانبه، قال الدكتور إيهاب بنداري، نقيب صيادلة المنوفية، إن التعامل مع موزعين معتمدين يمثل أحد أهم الضوابط التي ينبغي أن يلتزم بها الصيدلي عند شراء الأدوية، مشيرًا إلى أهمية الفواتير الرسمية في تتبع مصدر المستحضر عبر حلقات التوزيع.
وأوضح أن التحذيرات المتعلقة بتشغيلات دوائية محددة تصل إلى الصيادلة من خلال قنوات التواصل المهنية، بما يساعدهم على مراجعة بيانات التشغيلات الموجودة لديهم، إلى جانب الإجراءات التي يتخذها التفتيش الصيدلي عند اكتشاف مستحضرات سبق التحذير منها.
وأضاف أن تتبع الفواتير يتيح الانتقال من المورد الذي اشترت منه الصيدلية إلى الحلقات السابقة في سلسلة التوزيع، وصولًا إلى مصدر الدواء محل المخالفة.
وتبرز أهمية هذه الإجراءات في التمييز بين الصيدلي الذي يتعامل مع مصادر معتمدة ويحتفظ بمستندات الشراء، وبين من يحصل على أدوية من مصادر مجهولة لا يمكن التحقق من سلامتها.
لكن مراجعة الفواتير والتحذيرات تظل جزءًا من منظومة أوسع، تتطلب إحكام الرقابة على جميع حلقات تداول الدواء، وسرعة سحب التشغيلات التي يثبت عدم مطابقتها، وإبلاغ الجهات المعنية بما يلزم لمنع استمرار تداولها.
ماذا يحدث داخل التأمين الصحي؟
وفيما يتعلق بالأدوية التي تصل إلى منشآت التأمين الصحي، أوضح الدكتور أحمد الشافعي، مدير صيدلية بفرع التأمين الصحي بالمنوفية، أن إجراءات التوريد تشمل مراجعة المستندات وبيانات التشغيلات، والتحقق من مطابقة الأدوية الموردة للبيانات الرسمية، وفقًا للإجراءات التي أكد تطبيقها في نطاق عمله.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة في ظل التحذيرات من مستحضرات مقلدة؛ إذ تتطلب حماية المرضى التحقق من مصدر الدواء وسلامة إجراءات توريده وتخزينه، إلى جانب وجود آليات تتيح التعامل السريع مع أي تشغيلة يصدر بشأنها تحذير رسمي.
ونفى الشافعي رصد ضبط تشغيلات مرفوضة سابقًا في نطاق عمله، وهو ما يظل مرتبطًا بحدود مسؤوليته ومعلوماته، ولا يمكن تعميمه على جميع منشآت التأمين الصحي في الجمهورية.
وفي المقابل، تظل تجربة محمد بشأن عدم انتظام حصوله على العلاج شهادة تستدعي بحث مدى توافر المستحضر الذي يحتاج إليه، والكميات التي تُصرف للمرضى، وآليات التعامل مع أي نقص قد يؤثر في انتظام حصولهم على العلاج.
نقص الدواء وسوق الأدوية المغشوشة
ويربط محمود فؤاد، المدير التنفيذي للمركزي المصري للحق في الدواء، بين نقص بعض الأدوية الأساسية والبيئة التي يمكن أن تستغلها عصابات غش الدواء، موضحًا أن صعوبة حصول المريض على علاجه قد تدفعه إلى البحث عنه عبر قنوات بديلة، من بينها السوق السوداء والإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأشار إلى أن العبوات المقلدة لا يعني بالضرورة أن تكون سامة، إذ قد تتمثل خطورتها في عدم احتوائها على المادة الفعالة المطلوبة أو عدم تحقيق التأثير العلاجي المنتظر، وهو ما يجعل التعامل معها مسألة تتعلق بسلامة العلاج وفعاليته معًا.
وطالب فؤاد، بألا تقتصر جهود هيئة الدواء على إصدار التحذيرات بعد اكتشاف التشغيلات المقلدة، وإنما أن تمتد إلى متابعة احتياجات المرضى بصورة دورية، ومقارنتها بالكميات المتاحة، والتدخل سريعًا عند ظهور مؤشرات على نقص أي مستحضر أساسي.
ولفت إلى أن تحديد كميات الصرف أو عدم توافر بعض الأصناف بصورة منتظمة قد يدفع المرضى إلى البحث عن بدائل خارج قنوات التوزيع الرسمية، بما يزيد أهمية ضمان إتاحة الدواء الأصلي بالتوازي مع تشديد الرقابة على مصادر التوريد والتداول.
وأشار فؤاد إلى أن الجمعية تتعامل مع تقدير يبلغ نحو 40 ألف مريض غسيل كلوي مسجلين رسميًا في مستشفيات وزارة الصحة، بحسب إفادته، مطالبًا بحصر الاحتياجات الفعلية للمرضى على مستوى الجمهورية ومقارنتها بالكميات المتاحة من الأدوية اللازمة لهم.
وتطرح هذه الرؤية سؤالًا يتجاوز ضبط العبوات المقلدة: هل تتناسب الكميات المتاحة من الأدوية الأساسية مع احتياجات المرضى، وهل توجد آلية سريعة لرصد النقص قبل أن يضطر المريض إلى البحث عن علاجه خارج القنوات الرسمية؟
حماية المريض تبدأ قبل التحذير
تكشف قضية الإيبويتين عن مسارين متوازيين لا ينبغي الخلط بينهما: الأول يتعلق بضمان توافر العلاج الأصلي الذي يحتاج إليه المرضى بانتظام، والثاني يتعلق بمنع تداول المستحضرات المقلدة ومجهولة المصدر، وسرعة اكتشافها وتتبعها وسحبها.
ولا تثبت شهادة محمد أن نقص العلاج الذي واجهه أدى إلى شرائه دواءً مغشوشًا، لكن شهادته تبرز العبء المالي الذي قد يتحمله المريض عندما لا يحصل على كامل علاجه من الجهة التي يعتمد عليها في الصرف.
وفي محاولة للحصول على بيانات بشأن ضبطيات الأدوية المقلدة، لم تقدم هيئة الدواء المصرية معلومات عن تلك الضبطيات، موضحة في التواصل معها أنها جهة رقابية ولا يمكنها الإفصاح عن هذه المعلومات، وفقًا لما أُبلغنا به، ومن ثم، لا تتوافر لدينا بيانات تسمح بتحديد مدى وصول التشغيلات محل التحذير إلى المستشفيات أو فروع التأمين الصحي.
وبين مريض يبحث عن جرعته، وصيدلي يراجع التشغيلات والفواتير، ومنظومة توريد يفترض أن تضمن سلامة الدواء، يبقى التحدي هو الجمع بين الرقابة على جودة المستحضرات وضمان إتاحتها بصورة منتظمة.
فحماية المريض لا تبدأ فقط عندما تصدر هيئة الدواء تحذيرًا من تشغيلة مقلدة، بل تبدأ أيضًا بضمان ألا يجد نفسه مضطرًا إلى البحث عن علاجه في مصادر لا يعرف مدى موثوقيتها، وألا يتحول الحصول على دوائه الأساسي إلى عبء مالي ورحلة بحث لا تنتهي.