كلما اقترب الدولار من مستوى جديد أمام الجنيه، لا يتوقف الأمر عند شاشة البنك أو نشرة أسعار الصرف، إذ يمتد أثره إلى تكلفة الاستيراد والإنتاج، ومن ثم إلى أسعار السلع والخدمات التي يدفعها المواطن.
ومع تجاوز العملة الأمريكية حاجز الـ52 جنيهًا في عدد من البنوك اليوم، يعود السؤال مجددًا: ما الذي يدفع الدولار إلى الصعود، وإلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا الضغط على الجنيه
كم سجل الدولار اليوم؟
سجل الدولار في البنك المركزي المصري نحو 51.99 جنيه للشراء و52.13 جنيه للبيع.
وفي بنك مصر، بلغ سعر الدولار نحو 52.07 جنيه للشراء و52.17 جنيه للبيع، بينما سجل في البنك الأهلي المصري 52.05 جنيه للشراء و52.15 جنيه للبيع.
وسجل الدولار في مصرف أبوظبي الإسلامي أعلى سعر للبيع، عند 52.20 جنيه، مقابل 52.10 جنيه للشراء، بينما بلغ في بنك قناة السويس نحو 52.01 جنيه للشراء و52.11 جنيه للبيع.
طلب متزايد ومعروض تحت الضغط
ويرى الخبير الاقتصادي، الدكتور خالد الشافعي، أن حركة سعر صرف الدولار أمام الجنيه تأثرت بالتفاعل المباشر بين آليات العرض والطلب، في ظل تطبيق نظام سعر الصرف المرن.
وقال الشافعي لـ«القصة»، إن الارتفاع الحالي لسعر الصرف، الذي تدور مستوياته العادلة رسميًا في القطاع المصرفي بين 51.50 و52.10 جنيه لكل دولار، يعود إلى مزيج يجمع بين زيادة الطلب المستمر وتراجع مؤقت في بعض مصادر المعروض الدولاري.
وأوضح أن أبرز عوامل ارتفاع الطلب تتمثل في اتساع فاتورة الاستيراد الشهرية لمصر، لتصل إلى حدود 6 إلى 7 مليارات دولار، لتغطية السلع الأساسية والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج، إلى جانب ارتفاع التزامات خدمة الدين الخارجي وتدفقات أرباح الشركات الأجنبية إلى الخارج.
وفي المقابل، تعرضت حصيلة بعض المصادر التقليدية للعملة الأجنبية لضغوط، يأتي في مقدمتها انخفاض عائدات قناة السويس بنسبة تجاوزت 50% إلى 60% مقارنة بمستوياتها السابقة، جراء الاضطرابات الجيوسياسية والملاحية في البحر الأحمر، وهو ما تحمّل القطاع المصرفي تبعاته جزئيًا.
لكن في الاتجاه المقابل، أشار الشافعي، إلى التعافي الملحوظ في تحويلات المصريين بالخارج، التي تجاوزت حاجز 30 مليار دولار سنويًا بعد تحرير سعر الصرف، إلى جانب نمو إيرادات السياحة لتصل إلى نحو 14 مليار دولار.
سيناريوهان لسعر الدولار
وبالانتقال إلى مسار سعر الصرف والتوقعات المستقبلية، أوضح الدكتور خالد الشافعي، أن تحرك الجنيه صعودًا وهبوطًا يعكس طبيعة المرونة التي ينتهجها البنك المركزي المصري للحد من ظهور أسواق موازية.
وأشار إلى أن التقديرات والاقتصاديات الكلية تشير إلى أن الارتفاع الحالي ليس قفزة غير محكومة، وإنما يتحرك بين سيناريوهين رئيسيين.
السيناريو الأول هو «الاستقرار المرن»، ويفترض تراوح سعر الصرف في نطاق بين 49.50 و52.50 جنيه خلال الفترة المتبقية من العام، مدعومًا بالتدفقات الاستثمارية المباشرة وحصيلة طروحات الشركات الحكومية والتزامات صندوق النقد الدولي.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استمرار الضغط التصاعدي الطفيف نحو مستويات تتراوح بين 53 و55 جنيهًا، وهو ما يظل مرهونًا بعوامل خارجية، مثل أسعار النفط العالمية أو اتساع الفجوة التمويلية في حال حدوث صدمات جيوسياسية جديدة.
الدولار.. طريقه إلى الأسعار
ولا يتوقف تأثير ارتفاع الدولار عند سعر الصرف داخل البنوك، إذ ينعكس تحرك العملة الأمريكية على أسعار السلع والخدمات والتضخم، خصوصًا في ظل الاعتماد الاستيرادي الكبير على مدخلات الإنتاج والسلع الغذائية والوسيطة.
وأوضح الشافعي أن الاعتماد الاستيرادي الذي يتراوح بين 60% و70% من مدخلات الإنتاج والسلع الغذائية والوسيطة يجعل أي تحرك في سعر الصرف ينعكس على الأسواق.
وأضاف أن ارتفاع سعر الدولار بنسبة 10% يؤدي عادة إلى استجابة في التضخم بزيادة تقدر بنحو 2% إلى 3% بمرور الوقت، فيما يعرف بـ«أثر انتقال سعر الصرف» (Pass-through effect).
ورغم ذلك، تشير أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن البنك المركزي المصري إلى استقرار معدل التضخم العام للحضر عند 14.5% في أغسطس 2026، مقارنة بـ14.9% في يوليو، مع ارتفاع التضخم الأساسي إلى 14.7%، وهو ما يعكس، بحسب الشافعي، انحسار موجات التضخم الفائقة التي تجاوزت 35% في الأعوام السابقة نتيجة تشديد السياسة النقدية وامتصاص السيولة.
هل يملك القطاع المصرفي الدولار؟
وبشأن قدرة القطاع المصرفي على توفير احتياجات السوق من العملة الأجنبية، أكد الشافعي أن الجهاز المصرفي المصري يتمتع حاليًا بغطاء دولاري متماسك يتيح له تلبية طلبات المستوردين للسلع الاستراتيجية والأساسية ومستلزمات الإنتاج، دون تراكم اعتمادات مستندية مؤجلة أو بروز ظاهرة البضائع المكدسة بالموانئ.
ويدعم هذا الاستقرار، بحسب الخبير الاقتصادي، ارتفاع صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك والبنك المركزي، لتسجل فائضًا موجبًا يتراوح بين 13 و15 مليار دولار، بالتوازي مع الاحتفاظ باحتياطي نقدي أجنبي قوي يربو على 46 إلى 47 مليار دولار لدى البنك المركزي.
ويرى أن هذه المؤشرات تمنح النظام المصرفي «حائط صد» لتلبية الاحتياجات التمويلية ومنع ظهور أزمات سيولة حادة.
وبينما تكشف أسعار الدولار في البنوك عن استمرار الضغط على الجنيه، تشير تصريحات الشافعي إلى أن حركة العملة الأمريكية لا ترتبط بعامل واحد، وإنما تتداخل فيها احتياجات الاستيراد وخدمة الدين وتدفقات النقد الأجنبي ومصادره.
ويبقى السؤال الأوسع: إلى متى يظل الاقتصاد المصري تحت ضغط الدولار، وهل يستطيع نمو مصادر العملة الأجنبية أن يوقف موجات ارتفاعه، أم أن الاعتماد الكبير على الاستيراد سيبقي سعر الصرف عرضة لضغوط جديدة؟