أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

أمومة مقدسة في قلب المجازر

الأمومة المقدسة حيث تذوب الأنانية وتنفجر أقوى غرائز الحب والحماية في الوجود، لكن ماذا تصبح الأمومة عندما تُختَطَف من عالمها الطبيعي لتعيش في قلب المجازر في غزة؟

تحت القنابل والرعب والدمار، تُكتب أقدس قصص إنسانية بأحرف من ألم وصمود يبهر العقول عندما تتحول غرفة النوم إلى حطام والملعب إلى ركام وصرخة الطفل الأولى تختلط مع عويل الصفارات ودوي الانفجارات؟ ففي هذا المكان المُفارق للطبيعة تُولد أمومة من نوع آخر، أمومة تكتب ملحمتها بمداد من الدم والدموع ولكن أيضاً ببطلات من لحم ودم.

في خضم القصف تتحول غريزة الأم إلى استراتيجية بقاء معقدة هي ليست مجرد رد فعل بل هي هندسة دقيقة للحماية، حيث تتعلم أذن الأم لغة جديدة لغة القنابل تفرق بين صوت الطائرة القاصفة وصوت الطائرة المسيرة بين دوي الانفجار القريب والبعيد، بناءً على هذه التقديرات اللحظية، تتخذ قراراً هل نبقى في الغرفة أم نهرع إلى العراء في الخيام والطرقات؟

أخبار ذات صلة

FB_IMG_1773961327751
طعام وضيافة العيد| رنجة ومريسة وبزينة وكحك.. هكذا تتزين السفرة المصرية
احتفالات العيد
من "هاخد عيدية كام؟" إلى "هدي كام؟".. متى أصبحنا من الكبار؟
large (1)
الزمالك يعبر أوتوهو إلى نصف نهائي الكونفدرالية في مباراة شهدت حراسة الجزيري لمرمى الأبيض

في لحظة سقوط الصاروخ تتحول الأم إلى عالمة فيزياء فطرية تحسب زاوية السقوط وتقدر مساحة الانتشار وتلف جسد طفلها بجسدها لتشكل له درعاً بشرياً متخذة قراراً واعياً بأن تكون هي الهدف البديل بأن تتحطم عظامها بدلاً عن عظامه، وأن تسيل دماؤها بدلاً عن دمه.

وفي ظل هذا القبو المظلم والرطب تصنع الأمان الوهمي في لحظة ترتجف فيها الأرض والغبار يتساقط على الأوجه حيث تهمس الأم لأطفالها بكلمات تطمئن صغارها وتضمهم إلى صدرها وتخفي رعبها تحت ابتسامة متكلفة تخلق لهم فقاعة من الوهم الآمن وسط بحر من الفوضى والدمار، لأنها تدرك أن الخوف عدوى وأن هدوئها هو أول خطوط الدفاع عن سلامتهم النفسية.

في عالم بلا ماء ولا كهرباء ولا دواء، تتحول الأم إلى ساحرة تحول القليل من الدقيق والماء إلى وجبة تشبع البطون، تبحث عن عُشب لخفض الحمى تجمع مياه الأمطار في وعاء مبتذل، حماية الطفل لم تعد من الشظايا فقط بل من الجوع والعطش والمرض.

أمومة في قلب المحرقة وشهادات لا تُنسى وراء كل إحصائية عن الضحايا؛ هناك قصة أم كل منها عالم مكتمل انهار وتلفظ بهم الحياة تحت الأنقاض، فهناك أمهات لم يفقدن أطفالهن بموت سريع بل استمعن لصرخاتهم تضعف تدريجياً من تحت أكوام الأسمنت والركام عاجزات عن الوصول إليهم.

تروي إحداهن: “كان صوت ابنتي يناديني ماما أخرجيني لمدة يومين كاملين، ثم صمت الصوت، ذلك الصمت كان أقسى من كل دوي الانفجارات، أعيش الآن وأنا أحمل صراخها في رأسي، صراخ لم أستطع إجابته” هذه الأمومة المحبوسة العاجزة تترك جرحاً لا يندمل، جرح الأم التي فشلت في الوظيفة الأساسية التي خلقت من أجلها حماية أبناءها.

هناك أم تضع وليدها على أنقاض الديار في مستشفى مهدم بلا أدوية تخدير ولا كهرباء، تضع امرأة طفلها على سرير مغطى بالغبار وسط أصوات صراخ الجرحى وأنين المحتضرين.

تقول أم أخرى بهدوء يحمل ألف عاصفة: “ولدت ابني بينما كانت القنابل تسقط كالمطر، لم أكن أخاف على نفسي بل كنت أخاف أن يكون أول ما تلتقطه عيناه في هذه الدنيا هو المشاهد المرعبة، أرضعته وأنا أغطيه ببطانية كي لا يرى الدمار من حولنا” هنا تتحول الأمومة إلى فعل مقاومة وجودي، “ها أنا ذا أخلق حياة جديدة في وجه من يريد إفناءنا”.

وأخرى من تحمل طفلها الميت بين ذراعيها في مشهد واقعي لا يُمحى من الذاكرة الجمعية، أم تحتضن جثة طفلها الصغير ملفوفة بكفن أبيض، هي لا تبكي بل تنظر في الفراغ بنظرة حجرية كأن روحها قد فارقت جسدها مع روح طفلها.

تقول إحدى الأمهات التي فقدت أطفالها الثلاثة في غارة: “دفنت مستقبلي تحت التراب، دفنت ضحكاتهم أحلامهم وحتى مشاجراتهم، لم يعد لدي ما أخسره صرت أمّاً بلا أطفال، شجرة بلا أغصان”.

هذه المعاناة ليست حكايات منفصلة بل هي نسيج من المأساة الجماعية التي تعيشها نساء غزة، إنهن لسن مجرد ضحايا بل هن جنود مجهولات في معركة البقاء يقمن بإسعاف الجرحى وطهو ما تيسر من طعام على الحطب وتهدئة الصغار وحتى دفن الموتى.

الأم في غزة لم تعد مجرد مصدر للحنان، بل هي حصن، هي نظام إنذار مبكر، هي طبيبة نفسية، هي الحاضنة الأخيرة للحياة والكرامة الإنسانية، إنهن يخلقن الحياة من بين أحضان الموت ويزرعن الأمل في تربة اليأس.

في قلب المجازر تُختَبر الأمومة في أقسى تجلياتها تتحول من مفهوم بيولوجي وعاطفي إلى فلسفة وجودية، إلى فعل بطولة يومي متكرر الأم في غزة وفي كل أرض تشهد حرباً، لم تعد مجرد منجبة ومربية، بل هي حارسة الحياة نفسها، هي من ترفض أن يكون القتل هو الكلمة الأخيرة، وهي من يزرع بذرة الأمل في تربة اليأس.

في النهاية تبقى صورة الأم في غزة هي التعبير الأكثر قسوة وروعة عن الروح البشرية، إنها شهادة حية على أن أعمق أنواع القوة ليس في القدرة على القتل بل في الإصرار على البقاء والمقاومة والحب والحماية، حتى تحت سقف من القنابل.

إنها الدرع الذي لا يخترقه الرصاص والصمود الذي لا تقهره القنابل وإن كان الثمن أن تدفن قلبها مع كل طفل فإنها تظل ترفع راية الحياة، لأنها تدرك في أعماقها أن دموعها التي تسقي الأرض الملطخة بالدماء الأم التي تلد تحت القنابل أو تموت وهي تحمي وليدها، تثبت بجسدها وروحها أن غريزة الحياة في النهاية أقوى من كل آلات الموت.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

أهلا بالعيد صفاء أبو السعود
العيد في الفن اليوم.. بهجة حقيقية أم تكلف واصطناع؟
images (4) (1)
تحت أنظار البرنس المصري.. السيتيزنز بطلاً لكأس كاراباو للمرة التاسعة في تاريخه
هارون الهواري
هذا هو قَدَرُ مصر.. "الكبير" في الأزمات والملمّات في المنطقة
خلال أجواء العيد
العيد بوجهين.. من زحام "الناصية" إلى هدوء "الكمبوند"

أقرأ أيضًا

عبد الغني الحايس
عناوين الصحف ودعوة للتفاؤل
47c211bd-acf9-49bc-bdf2-0d9ee03719f5
ضربات قاصمة واغتيالات.. هل خسرت إيران الحرب؟
IMG_2881
رنا التونسي تكتب: أمهات ينظرن إلى العالم
الكاتبة هبة عبد العليم
الكاتبة هبة عبد العليم: تحكي عن أمها التي اشترت لها أول كتاب