ما إن اندلعت الحرب الصهيوأمريكية على إيران حتى بات المواطن المصري يتحسس جيوبه الخاوية يوماً بعد يوم، منتظراً البلاء الواقع لا محالة بزيادة أسعار جميع السلع كالمعتاد. فعلى ما يبدو أن آلية زيادة الأسعار في مصر قد تم ربطها بحساس كحساسات الحرائق التي تعمل توازياً مع أي حادث عارض في أي بؤرة من بؤر المجموعة الشمسية، حتى إنه لو تعثرت بغلة في العراق لارتفعت الأسعار في مصر.
وإن كنا قد درسنا في المدارس صغاراً أن العولمة هي تبادل الثقافات والتقارب بين الشعوب حتى صار العالم قرية صغيرة “قبل أن يصبح التعليم غير ذي فائدة في البلاد الضائعة”، فإننا أدركنا ونحن كباراً أن الواقع أكثر عمقاً من ذلك، فهي “آلية سحرية” لرفع أسعار أدوية البرد في مصر إذا عطس مواطن في إحدى جزر الهونولولو، كما أن لها عظيم الأثر في رفع سعر أسطوانة الغاز في مصر إذا انفجر أحد الآبار في القطب الشمالي. حتى أصبح الشعب المصري هو الشعب الوحيد الذي تمتد متابعته لأخبار وكالة ناسا ليس بحثاً عن علوم الفضاء بقدر توجسه من اصطدام كويكب طائش بكوكب بلوتو، يرتفع على إثره سعر كيلو البانيه. وبالنظر إلى تلك القضية من الناحية العلمية، وإذا ما قارنّا مثلاً بين تناول علم الفيزياء لنظرية الفوضى وما تتضمنه من “تأثير الفراشة”، والتي نصت على أن رفرفة جناحي فراشة في مكان ما قد تسهم في حدوث إعصار في مكان آخر، قد نخلص إلى أن انقطاع الكهرباء في “هلسنكي” قد يؤدي فوراً إلى ارتفاع سعر “الحلاوة الطحينية” في قرية ميت بزو.
الأزمة الكبرى هنا لا تتمثل في استغلال التجار لهذه الأحداث قدر استغلال الحكومة نفسها للموقف بسرعة فائقة، ما يجعلها الحكومة “الأسرع استجابة” على مستوى العالم. غير أن تلك الاستجابة، للأسف الشديد، لا تخدم مصالح المواطن المصري بأي حال من الأحوال. فخلال الساعات القليلة الماضية، وبمجرد ارتفاع سعر برميل “برنت” ارتفاعاً مؤقتاً، اجتمعت “لجنة التسعير التلقائي” في لمح البصر، وأصدرت بياناً رصيناً خلاصته أنه نظراً للظروف الجيوسياسية المشتعلة في مضيق هرمز، وتأثراً بتذبذب أسعار الطاقة في بورصة روتردام، فقد تقرر رفع أسعار البنزين والسولار بمقدار ثلاثة جنيهات للتر الواحد. وقطعاً لم تنسَ اللجنة أن تمهر بيانها الرصين بأن هذا يصب بالأساس في مصلحة المواطن.
وعلى الرغم من سرعة اجتماع اللجنة مع هذا الارتفاع “شبه الوهمي”، نراها وقد تقمصت شخصية عاطف في فيلم الناظر حينما عاود السعر العالمي الهبوط بنسبة تسعة بالمائة يوم الثلاثاء الماضي، وكأن الأسعار التي ترتفع لسبب ما لا تنخفض لزواله في وجود حكومة ترفع شعار “ودع هواك وإنساني عمر الأسعار ما هتنزل تاني”.
لنجد فجأة أن البيانات الرصينة قد اختفت، وأصبحت الملاحة في المضيق شأناً داخلياً لا دخل لنا به. وربما يكتشف الإعلام الموالي للحكومة أن مخزون البنزين الذي نستهلكه الآن تم شراؤه “أيام ما كان البرميل غالي”، وبالتالي لا يمكن خفض السعر إلا بعد انتهائه تماماً، مع توجيه النصيحة إلى المواطنين بأن يتحملوا هذه المرحلة الصعبة، وأن يؤمنوا بأن كل ما جاء في البيان الرصين للجنة التسعير هو في صالحهم وصالح البلاد في المقام الأول، وعليهم أن يكونوا جميعاً مع الرصين.
المدهش في القرارات الأخيرة هو العبقرية في اختيار “السولار” تحديداً لرفعه. فبعيداً عن البنزين، تعلم الحكومة تماماً خصوصية السولار وامتداد استخداماته ليشمل تحريك وسائل النقل والجرارات الزراعية وماكينات الري، إلى جانب استخداماته في القطاع الصناعي. لذا عندما ترفع الحكومة سعر السولار فهي بذلك تعطي الضوء الأخضر لرفع أسعار جميع السلع والخدمات التي تحيط بالمواطن بلا استثناء، كما لو كانت تتعامل مع جيبه كأنه “صندوق سيادي” صغير.
فإذا اعترضت على رفع سعر البنزين رغم انخفاض سعره عالمياً، يخرج عليك بعض رؤوس الإعلام الموالي للحكومة ليخبروك بأن الزيادة الحالية ليست زيادة بمعناها الحرفي، بل هي “تحريك” طفيف. فالحكومة لا ترفع الأسعار “تقليباً” لجيب المواطن، لا سمح الله. ولا ريب إن رأيت مقدمي برامج “التوك شو” وهم يستفزون المنطق ليلاً بسؤال وتعقيب واثق من فصيلة: هل تعلم أن سعر لتر البنزين الواحد في أمريكا قد تجاوز الواحد دولار تقريباً؟ ومع تحويل الدولار إلى الجنيه المصري ستجد أن الأسعار التي تقدمها لك الحكومة أقل من نصف مثيلاتها هناك!
وقبل أن تسلم أذنيك بكل ثقة إلى هؤلاء، عليك أن تعلم علم اليقين أنك لن تجد من يتحدث عن الفجوة بين دخل المواطن هنا وهناك، بل وبرغم هذه الفجوة لن تجد من يحدثك عن الإجراءات التي تتخذها بعض الحكومات الأوروبية لمواجهة أي ارتفاعات طارئة في أسعار البنزين، مثل اتخاذ الحكومة الألمانية قراراً بخفض أسعار المواصلات العامة بنسبة تسعين بالمائة.
بل وقد تجد أحدهم وهو يتحدث عن المكاسب من وراء رفع الأسعار بالوصول بالمواطن المصري لأن يكون أكثر ثقافة وانفتاحاً على العالم الخارجي، فكم كان من وراء تلك الزيادة في الأسعار سبباً في متابعة البسطاء للقنوات الإخبارية. وقبل أن تنظر عبر شاشاتهم إلى هذا النصف الممتلئ من الكوب، والذي يتمثل في عامل النظافة الذي لم تمنعه أميته من أن يحفظ عن ظهر قلب إحداثيات مفاعل بوشهر أكثر من المواطنين الإيرانيين أنفسهم، عليك أن تعلم أنه لم يفعل ذلك حباً في الجغرافيا، بل لأنه يعلم أن أي سحابة دخان هناك ستتحول فوراً إلى نار تحرق ما تبقى من مرتبه هنا.