تصاعد متسارع في أزمات الإقليم، من الخليج العربي إلى السودان، يكشف عن مرحلة شديدة التعقيد تتداخل فيها الحسابات السياسية مع التحديات الأمنية والإنسانية، في ظل تحركات دبلوماسية مكثفة ومساعٍ حثيثة لاحتواء التوترات ومنع اتساع رقعة الصراع وبين جهود دعم الاستقرار في منطقة الخليج، وتفاقم الأزمة السودانية واحتمالات انزلاقها نحو سيناريوهات أكثر خطورة، تبرز أهمية الدورين العربي والمصري في إدارة هذه الملفات الحساسة.
نقدم في هذا التقرير قراءة شاملة لأبرز ملامح التحرك المصري تجاه أمن الخليج، إلى جانب تحليل تطورات الصراع في السودان، والسيناريوهات المحتملة لمستقبل الأوضاع في ظل استمرار التعقيدات الإقليمية والدولية.
السودان.. عمق استراتيجي وأزمة تتجاوز الحدود
وفي هذا السياق قال السفير محمد حجازي مساعد وزير الخارجية الأسبق ، لـ “القصه” أن السودان يمثل أحد أهم الركائز الاستراتيجية للأمن القومي المصري، ليس فقط بحكم الجوار الجغرافي، ولكن أيضًا نتيجة الروابط التاريخية والسياسية والاقتصادية العميقة بين البلدين.
وأوضح أن استمرار الصراع الداخلي في السودان منذ اندلاع المواجهات بين القوى العسكرية المختلفة لا يعد مجرد أزمة داخلية، بل يمثل تحديًا مباشرًا للأمن الإقليمي، ويضع مصر أمام معادلة دقيقة بين حماية أمنها القومي ودعم استقرار الدولة السودانية.
وأشار إلى أن الجغرافيا السياسية تجعل من استقرار السودان عنصرًا أساسيًا في منظومة الأمن في وادي النيل والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، مؤكدًا أن أي حالة من الفوضى أو انهيار مؤسسات الدولة السودانية تنعكس بشكل مباشر على الأمن في جنوب مصر.
تحديات أمنية وضغوط إنسانية متزايدة
أوضح السفير، أن من أبرز المخاطر الناتجة عن استمرار الأزمة السودانية التحديات الأمنية على الحدود المشتركة، في ظل امتدادها عبر مناطق صحراوية واسعة قد تصبح بيئة خصبة لتهريب الأسلحة أو تسلل الجماعات الإجرامية والتنظيمات المتطرفة، خاصة مع تراجع السيطرة الأمنية داخل السودان.
وأضاف أن ملف الهجرة والنزوح يمثل تحديًا كبيرًا، حيث أدى الصراع إلى تدفق أعداد كبيرة من السودانيين إلى مصر، وهو ما يعكس عمق العلاقات بين الشعبين، لكنه في الوقت ذاته يفرض ضغوطًا على البنية التحتية والخدمات، رغم تعامل مصر مع هذا الملف من منظور إنساني.
كما أشار إلى أن انتشار السلاح نتيجة تعدد مراكز القوة داخل السودان يمثل مصدر قلق إضافيًا، في ظل احتمالات تنامي أنشطة التهريب والجريمة المنظمة، إلى جانب مخاطر تحول السودان إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي بسبب موقعه الاستراتيجي.
الحل السياسي والسيناريوهات المحتملة
أكد حجازي أن مصر تتبنى مقاربة متوازنة تقوم على دعم الحل السياسي والحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها، مؤكداً على أن الحل العسكري ليس خيارًا ممكنًا، وأن المسار الوحيد يتمثل في حوار سوداني شامل يضع مصلحة الدولة فوق أي اعتبارات أخرى.
وأشار إلي حرص مصر على التنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية، خاصة الاتحاد الأفريقي، لدعم جهود التسوية ومنع تدويل الصراع، مؤكدًا أن استقرار السودان يمثل مصلحة مشتركة للمنطقة بأكملها.
وأوضح أن مستقبل الأزمة قد يتجه إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية استمرار الصراع دون حسم، أو التوصل إلى وقف إطلاق نار يعقبه مسار سياسي لإعادة بناء الدولة، وهو السيناريو الأفضل، أو السيناريو الأخطر المتمثل في تفكك مؤسسات الدولة وتحول السودان إلى ساحة صراع إقليمي، بما يحمله ذلك من تهديدات لأمن البحر الأحمر واستقرار القرن الإفريقي.
واختتم بالتأكيد، أن استقرار السودان يظل ضرورة استراتيجية لمصر والمنطقة، وأن الدور المصري سيستمر في دعم وحدة الدولة السودانية ومنع انزلاقها إلى مزيد من الفوضى، بما يحفظ أمن الإقليم ويجنب شعوبه مخاطر صراعات ممتدة.
تصعيد ميداني وأزمة إنسانية متفاقمة
وفي إطار آخر، قال دكتور علي فوزي الباحث في الشؤون العربية الإفريقية والأمين العام لشبكه الإعلاميين المصريين والسودانيين، لـ”القصه” أن الصراع الدائر في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع يتجه نحو مزيد من التعقيد، في ظل اتساع رقعة المواجهات واستمرارها للعام الثالث على التوالي، ما ينذر بتداعيات إنسانية واقتصادية خطخ يارة.
وأوضح أن الفترة الأخيرة شهدت تقدمًا ميدانيًا للجيش السوداني في مناطق بإقليم كردفان، الأمر الذي دفع قوات الدعم السريع إلى تصعيد هجماتها باستخدام الطائرات المسيّرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين، بينهم أطفال، إضافة إلى إصابات واسعة في صفوف المواطنين.
وأشار إلى أن الأزمة أدت إلى خسائر بشرية تُقدّر بمئات الآلاف، وأشار عن نزوح أكثر من 11 مليون شخص، ما يجعلها واحدة من أكبر أزمات النزوح عالميًا، في ظل صمت دولي مقلق تجاه تفاقم الكارثة الإنسانية.
تعقيدات الحل السياسي وتشابك المصالح
أوضح دكتور علي فوزي أن فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة ما تزال محدودة، في ظل فشل التجارب السابقة لوقف إطلاق النار، وعلى رأسها هدنة جدة، بسبب عدم الالتزام ببنودها الإنسانية.
وأشار إلى أن تمسك الجيش السوداني بانسحاب قوات الدعم السريع من المناطق التي تسيطر عليها، يقابله سعي هذه القوات لإعادة تشكيل المشهد العسكري والسياسي، وهو ما يزيد من تعقيد الأزمة ويؤخر الوصول إلى حل حاسم، رغم وجود مقترحات لوقف إطلاق نار إنساني مؤقت.
وأكد أن التدخلات الإقليمية والدولية تمثل عاملًا رئيسيًا في تعقيد المشهد، في ظل اتهامات متبادلة بدعم بعض الأطراف لقوات الدعم السريع، سواء عبر التمويل أو التدريب، مقابل دعم عربي وإفريقي لمؤسسات الدولة السودانية ووحدتها.
سيناريوهات مفتوحة ومستقبل غامض
وأكد علي من أن مستقبل السودان بات مفتوحًا على عدة سيناريوهات، أبرزها نجاح الجيش في فرض سيطرته على مساحات واسعة، بما يمهد لإعادة بناء مؤسسات الدولة، أو استمرار الصراع بما يؤدي إلى تفكك الدولة وظهور مناطق نفوذ منفصلة، على تجارب إقليمية سابقة.
وأضاف إلى أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى تفاقم الكارثة الإنسانية، حيث يحتاج أكثر من 33 مليون شخص إلى مساعدات عاجلة، بينما يعاني نحو 24 مليونًا من الجوع، مع تعطل نحو 70% من المرافق الصحية، إلى جانب انهيار اقتصادي متوقع بانخفاض الناتج المحلي بنسبة تصل إلى 40%.
وأشار إلى الدور المهم الذي تلعبه الدول المجاورة، وعلى رأسها مصر، في دعم استقرار السودان والحفاظ على وحدة أراضيه، من خلال المشاركة في المبادرات الإقليمية واحتواء تداعيات الأزمة.
واختتم بالتأكيد على أن الحل السياسي يظل المسار الوحيد لإنقاذ السودان، مؤكداً من أن استمرار الحرب دون تسوية قد يدفع البلاد إلى مرحلة خطيرة من التفكك المؤسسي والإنساني يصعب تجاوزها في المستقبل القريب.