يبدو أن التاريخ العربي والإسلامي يأبى إلا أن يسجّل الفتن العاصفة بين العرب من عصر إلى آخر؛ فابتداءً من فتنة موقعة الجمل (656م)، ثم صِفّين (657م)، ثم التحكيم (658م)، ثم كربلاء (680م)، وهي الفتن الأربع الدامية التي شكّلت في مجموعها الفتنة الكبرى في تاريخ العرب والمسلمين، والتي بدأت في الاشتعال منذ مطلع النصف الثاني من القرن السابع الميلادي حتى قبيل انقضائه بنحو عشرين عامًا.
وبعبارة أخرى، فقد امتدت هذه الفتنة على مدار ربع قرن من الزمان، تاركةً إرثًا خلافيًا معقدًا اختلطت فيه أمور العقيدة بالسياسة ومطامع السلطة، مما أدى إلى انقسام مبكر في الصف العربي والإسلامي، ودبّ الخلاف والتصدّع في بنيانه، وهو ما تجني الأمة أشواكه حتى يومنا هذا.
وتعود اليوم ملامح فتنة كبرى جديدة للظهور، مع الحرب الأمريكية–الصهيونية على الجمهورية الإيرانية الإسلامية، التي تجاور أشقاءنا في منطقة الخليج. ومن يجاور الحدّاد يكتوِ بناره، قصدًا أو غير قصد. فلإيران — من وجهة نظرها — حق الدفاع الشرعي عن نفسها، لا سيما أنها لم تكن المبادِرة بالاعتداء، فسعت إلى صدّ الضربات الأمريكية والصهيونية ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا، وذلك — من باب الإنصاف — في أجواء دولية ممالئة وموالية لهاتين القوتين.
وهي الأجواء الدولية ذاتها التي احتشدت بكل قواها في الحرب الصهيونية الأخيرة على غزة، وقدّمت دعمًا مفضوحًا كشف عن سوءات السياسة الغربية، في ظل متابعة التدمير الشامل للشعب الفلسطيني، مع موقف يكاد يكون لامباليًا تجاه تحدي الكيان الصهيوني لقرارات الأمم المتحدة وسائر المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها محكمة العدل الدولية.
ومن وجهة النظر الإيرانية، فإن تدمير مقدّراتها، وعمليات الاغتيال المتكررة لقادتها من السياسيين والعسكريين، بل واستهداف رأس النظام نفسه، لا يمكن الرد عليه إلا بردٍّ موجع يأخذ بثأر قادتها وخبرائها، وذلك عبر استهداف القواعد الأمريكية والمجندين الأمريكيين فيها، والتي تتخذ من بعض دول الخليج مواقع ارتكاز لها.
وقد طالت تلك الضربات الصاروخية وغيرها هذه القواعد، وأصابت بعضها بالفعل، لكنها في الوقت ذاته ألحقت أضرارًا ببعض المنشآت المدنية في الدول الخليجية الشقيقة، وتسببت في وقوع شهداء وجرحى بين أبنائها، فضلًا عما أحدثته من حالة قلق وفزع بين شعوبها. وقد اعتبرت دول الخليج ذلك اعتداءً مباشرًا وصريحًا على أراضيها، وهو ما أيدته معظم الأنظمة العربية، ودعمته مصر بقوة، مؤكدة أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمنها القومي.
ورغم أن البيان المصري بإدانة الاعتداء الإيراني قد تأخر ساعات عن صدوره، وهو ما عُدّ تلكؤًا إعلاميًا أثار بعض الظنون، فإن الزيارات المكوكية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى دول الخليج قد بدّدت تلك الشكوك. ومع ذلك، فإن سيئ الظن لا يعجز عن نسج وساوسه، وقد ظهر ذلك جليًا في بعض التصريحات الإعلامية التي تجاوزت حدود النقد إلى الإساءة للشعب المصري.
وتصدّت لذلك أصوات واعية من النخب والإعلاميين في الخليج، رافضة هذا الانحدار، في وقت شهدت فيه منصات التواصل الاجتماعي حالة من التراشق والتلاسن من بعض الأطراف، متناسين روابط اللغة والدم والعقيدة والتاريخ.
ولم ينتبه كثيرون إلى وجود ما يشبه “جيشًا خفيًا” من الحسابات الموجهة التي تسعى لإشعال الفتنة بين العرب، عبر حسابات زائفة تتبدل وتتنكر. وقد رصدت صحيفة «المصري اليوم» في 6 أبريل 2026 عددًا من هذه الحسابات التي تنشط عبر منصة “إكس”، من بينها حسابات بأسماء: “إسرائيل الكبرى”، و”مايسة الرومي” (وهي يهودية من أصل يمني)، و”نيللي كوهين”، حيث استهدفت الأخيرة العلاقات المصرية–السعودية، وغيرت حسابها أكثر من مرة للتمويه، وبثت آلاف التغريدات لإثارة الفتنة بين الشعبين.
كما غيّرت “مايسة الرومي” حسابها مرات عديدة، وبثت آلاف التغريدات بهدف الوقيعة بين اليمن والسعودية.
ومن الإنصاف القول إن هناك انقسامًا في الرأي العام العربي — دون استثناء — بشأن هذه الحرب ومواقف أطرافها، إلا أن الميل لدى بعض الشعوب نحو تأييد إيران لا ينبع من عداء لدول الخليج، بل من مخزون نفسي من الغضب تجاه السياسات الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما يفسّر مشاعر الارتياح لدى البعض وهم يشاهدون استهداف تلك المصالح.
غير أن هذا الشعور لا يتضمن — في جوهره — أي عداء للأشقاء في الخليج، بل إن مشاعر سوء الظن المتبادلة لا أساس لها من الصحة، وتُغذّيها حملات التضليل وبث الفتن التي لا يستفيد من نجاحها إلا الكيان الصهيوني.
فيا أشقاءنا في الخليج، لا تستجيبوا لتلك الأصوات النشاز التي لا تسعى إلا لإشعال الفتنة بينكم وبين أشقائكم في العالم العربي… فاحذروا!