تعد قضية تأميم قناة السويس عام 1956 واحدة من أهم المحطات في تاريخ مصر الحديث، إذ لم تكن مجرد قرار سياسي، بل كانت معركة قانونية، وطنية، واستراتيجية شاملة، امتدت جذورها منذ أواخر القرن التاسع عشر، الكثير من الوثائق التاريخية، التي ظلت مخفية أو متجاهلة لعقود، تثبت أن مصر كانت تمتلك الحق الكامل في استعادة القناة قبل أي خطوة سياسية أو عسكرية.
في حوار خاص مع “القصة”، يكشف الدكتور علي الحفناوي، الباحث المتميز في تاريخ قناة السويس، نجل الدكتور مصطفى الحفناوي، عن الأسرار الخفية للوثائق التي كانت السبب وراء القوة القانونية التي امتلكتها مصر، وعن أحد أبرز العقول القانونية التي دافعت عن حق مصر في قناة السويس—أسرارًا موثقة عن عقد التأسيس الحقيقي لشركة قناة السويس، وكيف جرى تزوير عقد بديل، ولماذا كان التأميم حقًا قانونيًا خالصًا قبل أن يكون قرارًا سياسيًا.
ما الحقيقة القانونية لشركة قناة السويس التي تجاهلها التاريخ طويلًا؟
قال الدكتور علي الحفناوي، إن الحقيقة التي غُيبت عمدًا لعشرات السنين، أن شركة قناة السويس شركة مساهمة مصرية، وليست شركة دولية كما جرى الترويج لها، وهناك عقد تأسيس رسمي أقره السلطان العثماني عام 1866، ينص بوضوح لا يقبل التأويل على أن: الشركة شركة مساهمة مصرية، خاضعة للقوانين المصرية، مقرها القانوني مدينة الإسكندرية، ويُسمح لها فقط بمقر إداري في باريس أما مصطلح “الشركة العالمية لقناة السويس” فلم يكن سوى اسم تجاري، لا يغير من الوضع القانوني شيئًا.
وأشار إلى أن، هذا وحده يمنح مصر الحق الكامل في التأميم أو الاسترداد أو إنهاء الامتياز، لأن الدولة لا تؤمم شركة أجنبية داخل دولة أخرى، لكن من حقها استعادة شركة وطنية تعمل على أرضها.
إذا كانت الوثيقة موجودة منذ القرن التاسع عشر.. لماذا لم تظهر إلا متأخرًا؟
وأوضح الحفناوي، لأن ما حدث هو تزوير ممنهج، تم إخفاء عقد التأسيس الأصلي، والعمل بعقد آخر مزيف لا يتضمن صفة الشركة المصرية، وتم إرسال هذا العقد المزور إلى الحكومة المصرية، التي تعاملت معه على أنه العقد الحقيقي لعقود طويلة.
وأضاف بأن الوثيقة الأصلية ظلت مخفية منذ 1859، وحتى عام 1951، حين أدرج والدي—الدكتور مصطفى الحفناوي—هذه الوثيقة في رسالته للدكتوراه بجامعة السوربون، والتي أقرت الجامعة رسميًا بحق مصر في استعادة القناة، منذ تلك اللحظة، أصبحت القضية ملفًا قانونيًا مفتوحًا أمام الدولة المصرية.
متى تحول الملف من بحث قانوني إلى قرار سياسي؟
أكد الحفناوي، أنه منذ ما قبل ثورة يوليو، الحكومة المصرية كانت تدرك ضرورة استعادة القناة، وأول خطوة عملية كانت إلغاء معاهدة 1936 بقرار من مصطفى النحاس في أكتوبر 1951، كتمهيد مباشر لاستعادة السيادة الكاملة.
بعد الثورة، تعامل جمال عبد الناصر مع ملف القناة باعتباره قضية تحرر وطني، لا مجرد مرفق اقتصادي.
هل كان عبد الناصر يدرك أن المواجهة العسكرية قادمة؟
ورد على ذلك بأنه بالتأكيد، عبد الناصر لم يكن ساذجًا سياسيًا كان يعلم أن المواجهة قادمة، لكن الحسابات لم تكن عسكرية فقط، بل قانونية ودولية.
كان الهدف الأساسي: أن تستلم مصر القناة وتديرها بكفاءة، وألا تتوقف الملاحة الدولية، بحيث تُفشل أي ذريعة للتدخل العسكري، وهذا ما حدث فعلًا.
لماذا اختير عام 1956 تحديدًا للتأميم؟
تم اختيار العام تحديدًا لسببين خطيرين، الأول: سحب تمويل السد العالي من البنك الدولي بإيعاز أمريكي-بريطاني، وهو ما اعتبره عبد الناصر إهانة سياسية مباشرة، فرد عليها بتأميم القناة لتمويل المشروع وفرض السيادة.
الثاني – وهو الأخطر: أن شركة قناة السويس كانت تُعد مخططًا كاملًا لتدويل القناة بعد انتهاء الامتياز عام 1968، كانوا قد: أنشأوا مكتبًا بجوار مقر الأمم المتحدة في نيويورك، خططوا لإنشاء هيئة دولية تدير القناة، مع منح مصر تمثيلًا شكليًا فقط بينما تبقى السيطرة الفعلية بيد الفرنسيين، وهذا موثق في مذكرات جورج بيكو، رئيس مجلس إدارة الشركة بعد التأميم.
هل كان الرهان على المقاومة الشعبية جزءًا من الحسابات؟
أجاب الحفناوي؛ لا الحسابات العسكرية لا تُبنى على افتراض مقاومة شعبية، بل على موازين القوى الدولية، متابعًا: لكن ما حدث في بورسعيد كان مقاومة طبيعية تلقائية، أبدع فيها الشعب بطولات عظيمة عطّلت تقدم القوات المعتدية، رغم أن المقاومة لا تهزم جيوشًا نظامية، لكنها تُربكها وتستنزفها.
هل هناك روايات تاريخية جرى تزييفها حول التأميم؟
وأكد الحفناوي، كثير جدًا، هناك من يروج أن القناة كانت ستعود لمصر تلقائيًا عام 1968، وهذا غير صحيح إطلاقًا.
وبالنسبة للوثائق الفرنسية المنشورة تؤكد: لم تكن هناك أي نية لإعادة القناة لمصر، بل لتدويلها تحت هيمنة فرنسية، كل الوثائق موجودة، ومن يريد الحقيقة فليقرأ.
هل كان التأميم أول استخدام للقانون الدولي كسلاح بيد دولة نامية؟
وأشار الدكتور علي إلى أنه لم تكن الأولى، فإيران سبقتنا عام 1951 بتأميم النفط في عهد محمد مصدق، لكن الفارق أن الغرب أطاح بمصدق عبر انقلاب مدبر.
أما مصر، فنجحت في الصمود، وأعطت أملًا حقيقيًا لكل دول العالم الثالث بأن القانون يمكن أن يكون سلاحًا في مواجهة الإمبراطوريات.
هل كان هناك خوف حقيقي من سقوط النظام؟
بالغه حاده أشار الحفناوي، بأن الخوف لم يكن شخصيًا، بل وطنيًا، وبأن الخطر الحقيقي كان محاولة عودة الاحتلال البريطاني، وهو ما ظهر بوضوح في العدوان الثلاثي.
موضحاً أنه مصر كانت تمتلك الحق القانوني، والدعم الدولي، وهو ما تجسد لاحقًا في: إدانة العدوان، انسحاب بريطانيا، ثم فرنسا، وبقاء القناة مصرية.
لو لم تُؤمم القناة.. كيف كان شكل الشرق الأوسط اليوم؟
واختتم الحفناوي حديثه، قائلاً: كان النفوذ البريطاني-الفرنسي سيستمر، وربما بصيغة دولية ناعمة، تأميم القناة غير خريطة النفوذ، ومهد لظهور: حركة عدم الانحياز، تراجع الاستعمار التقليدي، وبداية صراع جديد على الشرق الأوسط، قناة السويس لم تكن مجرد ممر مائي.. كانت مفتاح السيطرة على المنطقة.