أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

بين التناقض والسرد كيف تصنع الحكاية هويتنا؟

إسراء عبد الحافظ

لست ما أتذكره ، بل ما أحكيه عن ما أتذكره

أحمد كان شاباً ملتزماً دينياً في الثانوية يحفظ القرآن ويدافع عن الثوابت، وفي الجامعة انقلب إلى ناقد شرس للدين ويقرأ لريتشارد دوكنز وسام هاريس، ثم بعد التخرج اكتشف التأمل والروحانيات الشرقية وأصبح يردد عبارات عن الطاقة الكونية

كل مرحلة كان يعيشها بكامل إيمانه، لكنه اليوم في الثامنة والعشرين يجلس أمام مرآته حائراً من أنا؟ هل أنا “المتدين” أم “الملحد” أم “الروحاني”؟ أم أنا مجرد ناسخ يقلد ما يقرأ؟

أخبار ذات صلة

المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام
"الأعلى للإعلام يستدعي موقعي "إيجيبتك" و "الموقع".. ما القصة؟
سامي عبد الجواد وأحمد عزام وسامي الجندي
سيد الطوخي يعلن إخلاء سبيل سامي عبد الجواد وأحمد عزام وسامي الجندي
حقل ظهر
بين الحقيقة والتهويل.. هل تراجع إنتاج حقل ظهر؟

سارة كانت ناشطة شيوعية في المدرسة الثانوية تحلم بالعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة، وفي الكلية تحولت إلى ليبرالية تدافع عن حرية السوق ثم أصبحت مهتمة بحقوق المرأة والهُوية، لتجد نفسها بعد عامين مهتمة بالفكر القومي كل صباح وتفتح حسابها على فيسبوك وتقرأ منشورات قديمة لها قبل خمس سنوات فتشعر بالرعب كيف كنت أفكر هكذا؟ هل كانت تلك أنا أيضاً؟

أحمد وسارة ليسا استثناءً هما نموذجان لجيل كامل عاش أطيافاً فكرية متسارعة ومتناقضة من اليمين إلى اليسار ومن التدين إلى الإلحاد ومن العولمة إلى القومية. كل محطة كانت تقدم لهم هوية جاهزة يرتدونها ثم يخلعونها والنتيجة شعور عميق بالضياع وانهيار القدرة على الإجابة عن السؤال البسيط من أنا؟ ليس لأنهم أغبياء بل لأنهم لم يتعلموا أبداً أن الهوية تُبنى قطعة قطعة عبر أداة واحدة السرد.

لدينا إرث فلسفي طويل يجعلنا نعتقد أن لكل منا جوهراً داخلياً نواة صلبة تظل كما هي رغم تغيرات الزمن وهذه النواة هي الأنا الحقيقية التي يجب أن نكتشفها كما يكتشف عالم الآثار تمثالاً مدفوناً في أعماق الأرض، وتقول هذه النظرة أنت موجود قبل أن تحكي وقبل أن تفعل وقبل أن تختار هناك، “أنا حقيقة تنتظر من يحررها من قشور الحياة”.

هذا الإرث يفسر لماذا يقول شاب مثل أحمد أريد أن أعرف من أنا حقاً أو بنت مثل سارة “أشعر أنني فقدت نفسي” إنه يفترض أن الذات كائن ثابت جاهز لكنه ضاع وسط هذه التنقلات وهنا يكمن الوهم لأن هذا الجوهر الثابت لا وجود له وليس لأننا لسنا شيئاً، بل لأننا لسنا شيئاً جامداً نحن لسنا تماثيل نحن قصص، والقصص تتغير كلما رُويت وما فعله أحمد وسارة أنهما ظنا أن تغيير القناعات يعني خيانة الذات، بينما هو في الحقيقة جزء من بناء الذات شريطة أن يُروى بشكل صحيح.

بول ريكور الهوية السردية كجسر فوق الزمن

هنا يتدخل الفيلسوف بول ريكور ليقلب الطاولة في أعماله اللاحقة وبخاصة في الذات عينها كآخر يقدم مفهوماً ثورياً للهوية السردية، حيث يرى ريكور أن هناك لبساً في كلمة هوية ونحن نستخدمها بمعنيين مختلفين ويخلط بينهما معظمنا “الهوية النمطية” هي الثبات الذي نقيسه من الخارج وأن تظل نفس الشيء عبر الزمن مثل شجرة البلوط تظل شجرة بلوط أو كرسي يظل كرسياً وهذه هوية الشيء، أما الأخرى فهي الهوية الذاتية وتعني أن الثبات الذي يأتي من الداخل من الالتزام والمسؤولية وأن تظل وفيًا لعهدك أو مخلصاً لحبك أو متمسكاً بقضيتك، وهذه هوية الشخص الذي يقول “أنا”.

المشكلة أن الزمن يغيرنا فكيف يمكن أن نقول إننا نفس الشخص بعد عشر سنوات؟ جسدي تغير أفكاري تغيرت علاقاتي تغيرت ما الذي يضمن استمراريتي؟

وكان جواب ريكور هو السرد، لأنه هو الجسر الذي يعبر بنا فوق هوة الزمن وأن أحافظ على هويتي ليس لأن لدي جوهرًا ثابتًا بل لأنني أروي حياتي باستمرار كل مرة أحكي فيها عن ماضٍ وأخطط لمستقبلي وأفسر حاضري فأنا أعيد بناء هويتي فالسرد هو الذي يوفق بين الثبات والتغير وهناك جزء مني يتغير “مشاعري، ظروفي، معارفي”، وجزء مني يثبت “قيمي، عهودي، ما أعتبره جوهر أخلاقي” وهذا التوفيق لا يتم إلا عبر الحكاية.

يقول ريكور إن “الحياة هي نشاط سردي يبحث عن نفسه”، نحن لا نمتلك هوية جاهزة ثم نحكيها نحن نصير هوية لأننا نحكي فالسرد هو تكوين للذات.

الاكتئاب كفقدان للحكاية

إذا كانت الهوية تُبنى عبر السرد فماذا يحدث عندما نفقد القدرة على السرد؟ لنفكر في الاكتئاب فالنظريات السريرية تتحدث عن خلل في الناقلات العصبية أو أنماط تفكير سلبية، لكن هناك بُعدا فلسفيا عميقا فالاكتئاب هو انهيار القدرة على بناء سرد متماسك للحياة.

المكتئب لا يرى حياته كقصة يراها كسلسلة من الأحداث العشوائية أو كتكرار ممل بلا هدف أو كطريق مسدود لا يستطيع أن يجد بداية لمعاناته ولا نهاية محتملة ولا صراعًا له معنى، وحياته أشبه بفيلم توقفت كاميراه عن الحركة فبقي مشهدًا واحدًا متكررًا الألم.

عندما لا تستطيع أن تحكي حياتك، تشعر أنك لا تملك حياة وعندما لا تملك حياة تشعر أنك لا تملك ذاتاً، وهذا هو السبب في أن العلاج النفسي الفعّال غالباً ما يكون علاجاً سردياً يعيد المعالج بناء قدرة المريض على رواية حياته وعلى إيجاد معنى للألم على وضع الفوضى في قالب حكائي وليس لأن الحكي يمحو الألم، بل لأنه يمنح الألم مكاناً في القصة وبالتالي يمنح صاحبه هوية يمكنها احتماله.

هذا ينطبق تماماً على أحمد وسارة فهما لا يريان تنقلاتهما الفكرية كرحلة ولها خيط درامي بل كـ فوضى لا رابط فيها وكل مرحلة تتناقض مع التي تليها فلا يستطيعان بناء قصة واحدة تشمل كل هذه الأطياف، فيشعران وكأنهما ليسا شخصاً واحداً بل عدة أشخاص متعاقبين وهذا هو جوهر فقدان الهوية.

عندما لا تستطيع أن تحكي حياتك كقصة متماسكة وتشعر أنك لا تملك حياة واحدة بل عدة حيوات متناثرة وعندما تتعدد الحيوات بلا رابط تشعر أنك لا تملك ذاتًا، وهذا هو السبب في أن العلاج النفسي الفعّال ما يكون علاجاً سردياً يعيد المعالج بناء قدرة المريض على رواية حياته وعلى إيجاد معنى للتناقضات، على وضع الفوضى في قالب حكائي ليس لأن الحكي يمحو التناقض بل لأنه يمنح التناقض مكاناً في القصة وبالتالي يمنح صاحبه هوية يمكنها احتماله.

وعاء التناقضات السريعة

أحمد وسارة كيف يعيشان تناقضاتهما على الإنترنت؟

أحمد لديه حساب على إكس “توتر سابقًا” قبل 3 سنوات كان يغرد ضد الإلحاد واليوم يغرد ضده، لا يمسح تغريداته القديمة لكنه يتمنى لو تختفي، سارة لديها قناة على يوتيوب قبل سنتين نشرت فيديو عن فوائد الرأسمالية،  واليوم تنشر فيديوهات عن استغلال العمال، ومتابعوها الجدد لا يعرفون ماضيها وهي لا تشير إليه وهذا ليس نفاقاً بالمعنى الأخلاقي التقليدي،، هذا هو نمط عمل المنصات الرقمية التي تشجع على الشخصية وليس الذات في العالم الرقمي لا يُطلب منك أن تكون متماسكاً عبر الزمن يُطلب منك أن تكون مثيراً للاهتمام في اللحظة الحالية، والماضي لا يحاسبك عليه أحد ما لم يظهر في ترند المخزي.

الفرق بين “شخصية” و”ذات” يصبح حاداً هنا فالشخصية هي ما يلعبه أحمد اليوم “الملحد الساخر، أو الروحاني الهادئ” غداً يمكنه تغييرها لا أحد يتذكر، فالشخصية تعيش في الحلقة القصيرة “الستوري، التغريدة، الريلز” أما الذات هي من يحمل تاريخ أحمد كله: “الطفل المؤمن، الشاب الملحد، الرجل الروحاني”، فالذات هي التي تقول كل هذه المحطات كانت لي وهي التي شكلتني وأنا لا أنكر واحدة منها. والذات تحتاج إلى سرد طويل إلى حكاية تمتد إلى قدرة على رؤية التناقضات كفصول في كتاب واحد.

ثقافة المنصات تجعلنا ماهرين في إنتاج الشخصيات وضعفاء في بناء الذوات، أحمد وسارة ليسا استثناء بل نموذجان لجيل كامل يمر بتحولات فكرية سريعة دون أن يجد الأدوات اللازمة لربط هذه التحولات في حكاية واحدة، فيصبحون أشخاصاً متعددين بدلاً من أن يكونوا شخصاً واحداً متعدد الأبعاد.

كيف يستطيع أحمد أن يوحد شتات نفسه؟ كيف تعيد سارة بناء تماسكها؟

أولاً، بإعادة تعريف الكتابة لنفسك لا للنشر أو للشهرة يوميات، تأملات، تدوين ذاتي، رسائل إلى ذاتك في الماضي أو المستقبل ، فعل كتابة بسيط لكنه يعيد بناء الجسر بين أنا الأمس وأنا الغد.

ثانياً، بممارسة السرد البطيء مع الآخرين وأن تجلس مع صديق وتحكي له عن أسبوعك ليس، كتقرير إخباري بل كقصة “أين كنت”، وما شعرت به ولماذا وكيف تغيرت وأن تسمع الآخر وهو يحكي هذا التبادل السردي، هو أكثر من تواصل هو إعادة بناء مشتركة للهويات.

ثالثاً، بمقاومة منطق المحو فالمنصات تشجعك على حذف الماضي كي لا يفضح تناقضك لكن الهوية السردية الحقيقية تحتاج إلى الاعتراف بالتناقض وأن يقول أحمد نعم، كنت متديناً، ثم ملحداً، ثم روحانياً. وهذا ليس عيباً هذه رحلتي حينها فقط يتحول التناقض من مصدر ألم إلى مصدر عمق.

أنا الحكاية التي أرويها لنفسي حتى لو كانت مليئة بالمنعطفات فهل هويتي شيء أكتشفه أم شيء أبنيه؟

في الحقيقية هنا كلاهما معًا، لكن البناء يسبق الاكتشاف، أحمد لن يكتشف جوهره الحقيقي بالجلوس والتأمل فقط، عليه أن يبني هذا الجوهر عبر السرد عليه أن يحكي لنفسه قصة، “كنت أبحث عن الحقيقة فمررت بهذه المحطات وكل محطة أعطتني شيئاً واليوم أنا من أجمعها كلها”.

بول ريكور قالها بطريقته الفلسفية العميقة: “بين الذات والذات نفسها، هناك السرد” لا يمكن الوصول إلى الذات مباشرة ولا يمكن أن ننظر داخل أنفسنا ونرى جوهراً شفافاً وما نراه هو قصص عن تحولاتنا، عن تناقضاتنا، عن بحثنا لذلك عندما تسأل نفسك “مَن أنا؟” لا تبحث في داخلك عن شيء ثابت لا تقل أنا هذا أو ذاك، ابدأ بدلاً عن ذلك بسؤال آخر “أي حكاية أريد أن أحكيها عن رحلتي اليوم؟” لأن الإجابة على هذا السؤال كل مرة هي ما يجعلك أنت لست هدفاً تصل إليه، أنت رواية تكتبها فصلاً فصلاً.

لست شيئاً يعرف نفسه بالتأمل، بل شيئاً يبني نفسه بالحكي وحتى تناقضاتك هي فصول في كتابك فلا تخف منها بل احكها.

هذا هو المقال الثاني في سلسلتنا المتعمقة حول فلسفة بول ريكور في الزمن والسرد وتطبيقاتها على واقعنا الرقمي المعاصر ، تابعوا الحلقة المقبلة “لذاكرة الجماعية بين التاريخ والحكاية”.

أترككم مع سؤال المقال هل لديكم حكاية واحدة عن تناقضاتكم أم تعيشون كشخصيات متفرقة؟

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

رئيس لبنان
مبادرة "جوزاف عون".. هل تنجح في تفكيك "خارطة الدم" الإسرائيلية لتقسيم لبنان؟
سيد مشاغب ونرمين حسين وشريف الروبي
خالد علي يعلن إخلاء سبيل سيد مشاغب وشريف الروبي ونرمين حسين
إسراء عبد الحافظ
بين التناقض والسرد كيف تصنع الحكاية هويتنا؟
أبو عبيده
أبو عبيدة لـ المجتمع الدولي: المرحلة الأولى أولاً

أقرأ أيضًا

أماني القصاص
"موسى.. نوح.. مريم".. حين أقصينا الأنبياء عن شاشتنا واستعادتهم شاشات العالم
شيماء سامي
نصرٌ من نوعٍ آخر.. كسر أسطورة الجبروت
إيهاب مجاهد - أستاذ الإذاعة والتليفزيون المساعد
"كليلة ودمنة".. كيف أعادت النماذج التوليدية تشكيل الحروب الخوارزمية؟
نقابة الصحفيين
جلسة نقاشية موسعة بنقابة الصحفيين الأربعاء المقبل.. وهذه التفاصيل