قراءة قانونية في حملات التوقيف والترحيل الأخيرة بحق مهاجرين ولاجئين في مصر.
تشهد الفترة الأخيرة حملات توقيف وترحيل طالت عددًا من المهاجرين واللاجئين، خصوصًا من الجاليتين السودانية والسورية، في سياق إقليمي بالغ التعقيد يتسم بتصاعد النزاعات المسلحة والضغوط الاقتصادية وتزايد أعداد الفارين من مناطق الصراع.
ومن حيث المبدأ، لا خلاف على حق الدولة في تنظيم أوضاع الإقامة وضبط الحدود وتطبيق قوانينها الوطنية، فهذا الحق يمثل أحد مظاهر السيادة المشروعة، غير أن ممارسته تظل مقيدة بضمانات دستورية والتزامات دولية تعهدت بها مصر، بحيث يُنفَّذ القانون في إطار يحفظ الكرامة الإنسانية ويصون الحقوق الأساسية لكل من يوجد على أراضيها، مواطنًا كان أو أجنبيًا.
تزداد خطورة المشهد في ضوء ورود معلومات عن حالتي وفاة خلال فترة الاحتجاز، إحداهما لرجل تجاوز الستين من عمره، والأخرى لشاب في مقتبل العمر. إن وقوع وفيات داخل أماكن الاحتجاز، أيًا كانت الملابسات، لا يمكن اعتباره أمرًا عارضًا أو إداريًا فحسب، بل يطرح تساؤلات جوهرية تتعلق بظروف الاحتجاز، ومدى توفير الرعاية الصحية، واحترام المعايير الإنسانية الواجبة.
ويترتب على ذلك التزام قانوني وأخلاقي بفتح تحقيق شفاف ومستقل، يكشف ملابسات ما جرى ويضمن المساءلة إن وجدت مسؤولية، كما يستدعي مراجعة شاملة لإجراءات التوقيف والاحتجاز ومدى توافقها مع القواعد الوطنية والمعايير الدولية ذات الصلة.
الحماية الدولية وحدود الاحتجاز
تكتسب بعض هذه الحالات بعدًا قانونيًا إضافيًا نظرًا لحمل أصحابها بطاقات صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بما يفيد تسجيلهم كطالبي لجوء أو لاجئين قيد الحماية الدولية. ويترتب على هذا الوضع القانوني التزامات واضحة، في مقدمتها احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يحظر إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه لخطر الاضطهاد أو تهديد حياته أو حريته، وهو مبدأ راسخ في القانون الدولي للاجئين وأحد أعمدته الأساسية.
كما أن مصر طرف في اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، وكذلك في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهما صكان قانونيان يكرسان ضمانات أساسية لا يجوز إغفالها، من بينها حظر الاحتجاز التعسفي، وضرورة أن يكون أي تقييد للحرية قائمًا على أساس قانوني واضح، ومتناسبًا مع الهدف المشروع منه، وخاضعًا للرقابة القضائية. كما يضمنان حق الفرد في معرفة أسباب توقيفه، والحق في التواصل مع محامٍ، والحق في الرعاية الصحية، والحق في الطعن على قرارات الإبعاد أو الترحيل.
إن احتجاز أشخاص يحملون ما يثبت تسجيلهم لدى المفوضية يثير تساؤلات جدية حول مدى التناسب والضرورة في الإجراءات المتخذة، ومدى مراعاة الفوارق القانونية بين المهاجر غير النظامي وطالب اللجوء أو اللاجئ المسجل.
فالتسجيل لدى المفوضية ليس تفصيلًا إداريًا، بل يرتب مركزًا قانونيًا يقتضي التعامل معه وفق معايير خاصة تأخذ في الاعتبار هشاشة أوضاع هؤلاء الأشخاص وطبيعة المخاطر التي قد يتعرضون لها حال إعادتهم.
سيادة القانون كضمانة للعدالة لا كأداة للإقصاء
سيادة القانون لا تعني فقط إنفاذ النصوص بحرفيتها، بل تعني أيضًا تطبيقها بروحها، وبما يحقق التوازن بين مقتضيات النظام العام وحقوق الأفراد. ولا يتعارض احترام حقوق الإنسان مع متطلبات الأمن أو مع حق الدولة في تنظيم الإقامة؛ على العكس، فإن قوة الدولة ومصداقيتها تتجليان في قدرتها على إنفاذ القانون بعدالة، ومن دون تمييز، ومن دون مساس غير مبرر بالحقوق الأساسية.
فالأجانب المقيمون في مصر، مهما كانت جنسياتهم أو طبيعة إقامتهم، يتمتعون بحماية القانون المصري، فضلًا عن الحماية التي تكفلها الالتزامات الدولية التي ارتضتها الدولة بإرادتها. والتعامل مع أوضاعهم القانونية ينبغي أن يتم من خلال إجراءات فردية واضحة، تتيح لكل شخص عرض موقفه القانوني والدفاع عنه، بعيدًا عن التعميم أو الاشتباه الجماعي.
إن التطورات الأخيرة تمثل إشارة مقلقة تستوجب التعامل معها بقدر عالٍ من الشفافية والحساسية القانونية، لا سيما في ظل السياق الإقليمي الذي يشهد نزوحًا واسع النطاق نتيجة الحرب في السودان واستمرار الأزمات في سوريا وغيرها من الدول. فالمهاجرون واللاجئون ليسوا أرقامًا في سجلات إدارية، بل أفراد اضطر كثير منهم إلى مغادرة أوطانهم تحت وطأة الحروب أو النزاعات أو الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
ومن ثم، فإن أي إجراء يمس حريتهم أو حياتهم يجب أن يخضع لأقصى درجات التدقيق، وأن يُنفذ في إطار يحترم كرامتهم وحقوقهم كاملة غير منقوصة.
في نهاية المطاف، تبقى المعادلة واضحة: إنفاذ القانون حق للدولة، لكن احترام الكرامة الإنسانية واجب لا استثناء فيه. وحين يجتمع الاثنان، تتحقق سيادة القانون بمعناها الحقيقي، ويترسخ مبدأ أن العدالة لا تتجزأ ولا تُعلَّق بحسب الجنسية أو صفة الإقامة، بل تقوم على أساس واحد هو حماية الإنسان وصون حقه في الحياة والحرية والأمان.