تتجاوز تداعيات المواجهة الممتدة بين الولايات المتحدة وإيران حدود الحسابات العسكرية والسياسية المباشرة، لتطال عمق الاقتصاد الإيراني، وأمن الملاحة الدولية في مضيق هرمز والبحر الأحمر، وأسواق الطاقة العالمية، فضلاً عن المخاوف المتزايدة من اتساع نطاق الحرب لتشمل جبهات إقليمية جديدة.
وبينما تحاول واشنطن استخدام أدوات الضغط والعقوبات الاقتصادية لدفع طهران نحو تقديم تنازلات ملموسة بشأن برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي، تتمسك القيادة الإيرانية بضرورة الحصول على ضمانات حقيقية وفاعلة لرفع الحصار المالي والنفطي وعدم استئناف الضربات العسكرية؛ وهي المعضلة التي تتفاقم في ظل أزمة ثقة متراكمة تجعل التوصل إلى اتفاق شامل وشديد التعقيد أمراً صعب المنال في المدى القريب.
وتزداد المشهدية الإقليمية تعقيداً مع تصاعد المخاوف الأمنية بالمنطقة، ولا سيما مع استمرار التهديدات الحوثية واستهداف المنشآت والمطارات، إلى جانب تفعيل الترتيبات الدفاعية الإقليمية وتداول تقارير متنازع عليها بشأن مشاركات إقليمية جديدة؛ مما يضع الجميع أمام تساؤلات مفصلية حول الحد الأدنى الذي يمكن أن يقبله كل طرف لإنهاء المواجهة.
تفاهم مرحلي لإنهاء الحرب وأزمة ثقة تحكم الملف النووي
وفي تحليل دقيق وسيناريوهات تفكك أبعاد المواجهة، قال الدكتور ميسرة مصطفى بكور، مدير المركز العربي الأوروبي للدراسات في برلين، لـ “القصة”، إن فرص التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال قائمة، لكن الخلافات تتجاوز نسب تخصيب اليورانيوم لتشمل انعدام الثقة والضمانات المطلوبة لرفع الحصار، وحدود التنازلات التي يستطيع كل طرف تقديمها دون الإضرار بمصالحه الاستراتيجية.
وأوضح بكور أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسعى إلى إنهاء المواجهة باتفاق يمكن تقديمه باعتباره نجاحاً لسياسة الضغط التي انتهجتها إدارته، بينما تخشى طهران تقديم تنازلات جوهرية دون ضمانات حقيقية تمنع فرض مطالب أمريكية جديدة أو استئناف الضربات العسكرية.
وأضاف أن حديث نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس عن ضرورة إجراء تخفيض ملموس للتخصيب الإيراني يعكس وجود مساحة محتملة للتفاوض حول مستويات التخصيب وحجم المخزون النووي وآليات الرقابة، لكنه لا يحسم الخلاف الأساسي بشأن حق إيران في التخصيب، وأكد مدير المركز العربي الأوروبي للدراسات أن أزمة الثقة تظل العقبة الأبرز أمام المفاوضات؛ إذ تستحضر طهران انسحاب ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، بينما تطالب واشنطن بالتزامات إيرانية قابلة للتحقق قبل تقديم تخفيف اقتصادي واسع، كما تنظر القيادة الإيرانية إلى البرنامج النووي باعتباره جزءًا من منظومة أمنها وقدرتها على الردع، ما يجعل تقديم تنازلات فيه مرتبطاً بحسابات داخلية وإقليمية معقدة.
ولفت الدكتور ميسرة إلى أنه في المقابل، قد تدفع الضغوط الاقتصادية على إيران، والأعباء السياسية والاقتصادية للحرب على الإدارة الأمريكية مع اقتراب انتخابات الكونغرس، الطرفين إلى البحث عن تفاهم مرحلي يوقف العمليات العسكرية، ويعالج أزمة الملاحة، ويفتح الباب أمام تخفيف العقوبات، مع تأجيل التسوية النووية الشاملة إلى مرحلة لاحقة.
رهانات العقوبات النفطية وتهديدات الجبهة اليمنية
وحول نجاعة العقوبات النفطية الأخيرة التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية وشملت 17 سفينة، أشار بكور إلى أن واشنطن تراهن على جعل استمرار المواجهة أكثر كلفة على إيران لدفعها للقبول بشروط التفاوض، وذلك عبر تضييق مصادر الإيرادات خصوصاً في ظل نظام شديد المركزية تتقدم فيه اعتبارات بقاء السلطة واستقرار المؤسسات الأمنية على حسابات الرفاه الاقتصادي.
وشدد على أن فاعلية هذا الرهان تتوقف على تقدير القيادة الإيرانية للمخاطر؛ فإذا اعتقدت طهران أن سلطتها ليست مهددة بصورة مباشرة، فقد تواصل تحمل التدهور الاقتصادي وترفض تقديم تنازلات جوهرية، أما إذا وصلت إلى قناعة بأن بقاء النظام نفسه أصبح على المحك، فقد تقبل بشروط كانت ترفضها سابقاً، أو تتجه إلى تصعيد أشد إذا اعتبرت أن التراجع لن يضمن بقاءها. وحذر بكور من أن زيادة الضغط قد تؤدي لنتائج عكسية، لكون القيادة المحاصرة قد تسعى لرفع كلفة الصراع على خصومها بدلاً من التسوية، مؤكداً أن النجاح لا يرتبط بالضرر الاقتصادي وحده بل بقدرة واشنطن على تحويله لمكاسب تفاوضية دون دفع طهران لخيارات تصعيدية.
وعن تصريحات ترامب بشأن احتمال مشاركة واشنطن في الضربات ضد الحوثيين عقب الهجمات الأخيرة على مطار الرياض، أوضح بكور أنها تضيف بعداً جديداً للحسابات الإقليمية، وتعكس رغبة في إبقاء خيار التدخل قائماً للحفاظ على الضغط دون إلزام واشنطن مسبقاً بعملية قد تتسع خارج نطاق الحسابات؛ حيث تدرك واشنطن أن توسيع العمليات قد يفتح جبهة إضافية يزيد مخاطر اتساع الحرب.
وحول حدود التنازلات، أشار ميسرة بكور إلى أن واشنطن تطلب تخفيضاً جوهرياً وقابلاً للتحقق لمستويات التخصيب، ومعالجة المخزون، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، بينما تحتاج طهران لتخفيف فعلي للعقوبات وضمانات منع الضربات، مؤكداً أن الإصرار على إقحام ملف الصواريخ والنفوذ الإقليمي قد يعقد المفاوضات، وأن الفصل بين الملفات هو المسار الأكثر واقعية عبر تسوية مرحلية هشة ما لم تقترن بضمانات وآليات تحقق متبادلة.
وعن الحسابات الأمنية السعودية، أكد بكور أن الرياض عززت خياراتها الدفاعية الخاصة، مستفيدة من قدراتها الذاتية والدعم الأمريكي الاستخباري، إلى جانب تفعيل “اتفاق مكة” للعديد من شبكات المساندة العسكرية والسياسية، بما يمنحها مساحة تحرك أوسع دون اعتبار التدخل الأمريكي المباشر شرطاً لكل تحرك، مع بقاء التسوية السياسية حاجة إقليمية لمنع انتقال الصراع لجبهات جديدة.
وفيما يتعلق بالتقارير المتداولة حول محادثات لإرسال قوات سورية إلى اليمن ونفي دمشق لها، شدد بكور على ضرورة التعامل مع هذه الأنباء باعتبارها تقارير متنازعاً عليها وليست ترتيبات حاسمة، مشيراً إلى أن هذا التضارب يبرز مخاطر اتساع المواجهة الإقليمية التي قد ترفع تكلفة الصراع وتضغط على طهران وحلفائها، لكنها قد تدفع لردود فعل تصعيدية إذا شعرت طهران بتقلص الخيارات.
واختتم مدير المركز العربي الأوروبي للدراسات تحليله بالقول إن التوصل لاتفاق قابل للاستمرار يتطلب مسارين متوازيين: تفاهم أمريكي-إيراني يوقف العمليات ويعالج العقوبات والملف النووي، وترتيبات أمنية إقليمية تضمن أمن السعودية وتوقف الهجمات الحوثية وتحمي الملاحة، وجزم بأن تعهد ترامب بعدم استئناف الضربات قبل انتخابات 3 نوفمبر محدد زمنياً ولا يلغي الخيار العسكري، مما يجعل التفاهم المرحلي الخيار الأكثر قابلية للتحقق إذا توافرت الالتزامات والتنازلات المتبادلة.