مع انتهاء المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب 2025، أجد نفسي، كشاب مصري يحاول جاهداً أن يطور من نفسه ومن وطنه ليراه في مكان يليق به، في مواجهة شعور عميق بالخذلان. في الحقيقة، لا توجد كلمات تعبر كفاية عن استمرار تلك المشاهد المؤسفة التي تتكرر، للأسف، مع كل استحقاق انتخابي.
ففي كل مرة، لا يتردد على مسامعنا إلا تلك العبارة المحبطة: “لا شيء سيتغير، هناك من فاز مسبقاً وهو يحتفل الآن”. وأقف مذهولاً أمام هذا الحديث. فمصر، التي تمتلك عشرات الآلاف من السياسيين والاقتصاديين الأكفاء، كيف لا نجدهم في مجلس النواب؟ كيف يمكن أن تكون الجهة التشريعية الأولى في مصر، المنوط بها تحديد توجهات الدولة والمحاسبة والتشريع، شبه خالية من المتخصصين الحقيقيين؟
الإجابة تكمن في المشهد نفسه. مشهد لا يزال فيه المال السياسي هو المسيطر الأول، وفي الخلفية من يعمل ببراعة على “هندسة” المشهد برمته. وما يزيد الطين بلة هو انتشار مقاطع فيديو ومزاعم تتحدث عن “تزوير” صريح، كما أُشيع عن حدث في دائرة المنتزة بفتح الصناديق وإحصاء الأصوات قبل الموعد الرسمي للإغلاق.
أتحدث هنا ليس كمتفرج، بل كشاب يعيش هذا الواقع. ولتفكيك هذا المشهد المعقد، سأقسم هذا المقال إلى ثلاثة محاور:
• المحور الأول: تشريح ثلاثية “الهندسة، المال، والتزوير”.
• المحور الثاني: الشباب… أين هم من كل هذا؟
• المحور الثالث: وماذا بعد؟
المحور الأول: “الهندسة” و “المال” و “التزوير” … أدوات اللعبة
لفهم لماذا يغيب المتخصصون ويسيطر المشهد الذي نراه، يجب أن نفرق بين ثلاثة مصطلحات هي مفاتيح اللعبة بأكملها:
1. هندسة الانتخابات (Electoral Engineering)
هذا هو المصطلح الأكثر دقة و “احترافية”. “الهندسة” ليست هي التزوير الفج. التزوير هو “كسر” القانون، أما الهندسة فهي “صياغة” القانون نفسه بطريقة تخدم هدفاً معيناً. إنها “الهندسة المعمارية” للنظام، فكما يصمم المهندس مبنى ليخدم وظيفة محددة، يصمم “المهندس السياسي” النظام الانتخابي ليحقق نتائج محددة.
قد يتم تبرير هذه الهندسة بأهداف “إيجابية” معلنة، كضمان الاستقرار (عبر منع تفتيت البرلمان) أو ضمان تمثيل فئات معينة (عبر “الكوتا” للنساء أو الشباب).
لكن الوجه الآخر “السلبي” لهذه الهندسة هو استخدامها كأداة لإقصاء المعارضة أو تأمين أغلبية مسبقة. ويتم ذلك بأدوات كثيرة، أخطرها:
• هندسة الدوائر (Gerrymandering): وهي فن “خبيث” لرسم حدود الدوائر. إما بـ “التجميع” (Packing)، أي حشر كل ناخبي الخصم في دائرة واحدة ليفوزوا بها باكتساح ويخسروا ما حولها. أو بـ “التكسير” (Cracking)، أي توزيع أصواتهم كأقليات غير مؤثرة على عدة دوائر.
• هندسة النظام نفسه: إن اختيار النظام الفردي بشكل موسع (كما هو الحال في مصر) هو “هندسة” بحد ذاتها. هذا النظام يقلل من شأن الأحزاب والبرامج، ويرفع من شأن “الشخص” وعلاقاته وقدرته المالية. إنه هندسة لصالح الأفراد الأقوياء مالياً واجتماعياً.
2. المال السياسي (Political Money)
وهنا يأتي اللاعب الثاني، الذي تُهيئ له “الهندسة” الأرض. “المال السياسي” هو الوقود الذي يحرك هذه الآلة. عندما “تهندس” النظام ليعتمد على المنافسة الفردية، فأنت تفتح الباب على مصراعيه لسيطرة المال.
نحن لا نتحدث عن “تمويل الحملات” المشروع (طباعة اللافتات والإعلانات في حدود القانون). نحن نتحدث عن “المال الفاسد” الذي نراه بأعيننا:
• شراء الأصوات المباشر: وهو الشكل الأكثر إذلالاً للديمقراطية، حين تتحول حاجة الناس الاقتصادية إلى “سلعة” تباع وتشترى في وضح النهار.
• التمويل الأسود (Dark Money): وهو الأخطر. حين يقوم رجال أعمال بضخ ملايين تتجاوز “سقف الإنفاق” القانوني لتمويل مرشحين. هم لا يفعلون ذلك حباً في الديمقراطية، بل هو “شراء” للنائب نفسه.
• النتيجة؟ يتحول البرلمان من “مجلس نواب الشعب” إلى “مجلس نواب أصحاب المصالح”. النائب الذي وصل بـ “شيك” من رجل أعمال، لن يشرّع ضد مصالح هذا الرجل، بل سيصبح أداة لخدمته.
وهكذا، “الهندسة” (النظام الفردي) تخلق البيئة، و “المال” (شراء الأصوات والنواب) يحسم النتيجة.
3. التزوير (Electoral Fraud)
أما “التزوير” فهو “الغش” الصريح والعمل الإجرامي المباشر. إنه “كسر” القواعد التي تم “هندستها” بالفعل. هو الاعتراف بفشل الأداتين السابقتين في حسم المعركة، فنلجأ للغش.
له أشكال تبدأ قبل يوم الانتخاب (كالتلاعب في سجلات الناخبين) وتستمر حتى ما بعد الفرز (كالتلاعب في المحاضر). ولكن ما يتردد صداه اليوم هو ما يحدث “أثناء” يوم الاقتراع، مثل مزاعم “حشو الصناديق” أو “انتحال صفة الناخب”، أو ما هو أخطر، مثل المشاهد المزعومة في دائرة المنتزة عن فتح الصناديق قبل موعدها الرسمي.
المفارقة أن كل هذا يحدث رغم وجود شبكة “ضمانات” قانونية هائلة (إشراف قضائي كامل، مندوبو مرشحين، حبر فسفوري، فرز في اللجان الفرعية). وعندما يتم الالتفاف على هذه الضمانات أو اختراقها، فإننا لا نتحدث عن “تجاوزات”، بل عن انهيار كامل للثقة في العملية برمتها.
المحور الثاني: “الشباب” بين التأهيل النظري وغياب التمثيل الحقيقي
بعد أن استعرضنا “الأرض” التي تُجرى عليها الانتخابات، وما يشوبها من تحديات جسيمة تتمثل في هندسة القواعد، وسطوة المال السياسي، وشبح التزوير، ننتقل الآن إلى الفاعل الأهم في معادلة أي مستقبل: الشباب. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: أين هو الموقع الحقيقي للشباب من العملية الانتخابية؟
عندما نطرح هذا السؤال، فإننا لا نقصد بالطبع تلك المشاركة الشكلية، أو “الشباب” كمجرد رقم في نسب التصويت. كما أننا لا نشير إلى أولئك الذين يتم الدفع بهم كأدوات في خدمة مصالح معينة أو كواجهة لتيارات تُمول بالمال السياسي الذي فصلناه سابقاً.
القصد هنا هو الشباب بمعناه الجوهري: الشباب كـ “مرشح”، كـ “نائب”، كصاحب قرار. نتحدث عن الشباب الفاعل القادر على الوصول إلى مقعد البرلمان ليصبح صوتاً حقيقياً يدافع عن الحاضر، والأهم من ذلك، يمتلك الرؤية والأدوات اللازمة لـ “تشريع المستقبل”.
وهنا يبرز التناقض الأكبر (Paradox) في المشهد المصري. فالدولة المصرية، على وجه الخصوص في السنوات الأخيرة، قامت بجهد غير مسبوق في عملية “تطوير الشباب”. لقد تم تأهيل المئات، وربما الآلاف، عبر برامج رئاسية، وأكاديميات وطنية، ومنتديات متخصصة. هؤلاء الشباب، الذين هم الآن على مقدرة حقيقية على القيادة، والفهم التشريعي، وممارسة الرقابة البرلمانية (المحاسبة)، يمثلون “جيلاً جديداً” من الكوادر المدربة.
لقد أهّلت مصر هؤلاء المئات بطرق مختلفة، نظرياً وعملياً، وأصبحوا يمتلكون “الكفاءة” المطلوبة. لكن السؤال الحاسم يبقى: هل يستطيع أيٌ من هؤلاء الشباب المؤهلين، بكفاءتهم وحدها، أن يكسب انتخابات مجلس النواب؟
للأسف، تأتي الإجابة صادمة ومحبطة: “لا” في أغلب الأحيان.
والسبب في ذلك يعود مباشرة إلى ما ناقشناه في المحور الأول. فالمال السياسي، الذي أصبح يسيطر على اللعبة الانتخابية بقوة، هو “الحاجز الفولاذي” الذي يتحطم عليه طموح هؤلاء الشباب.
لقد تحولت الانتخابات، خاصة في الدوائر الفردية، إلى “سباق تمويل” وليس “سباق برامج”. المرشح الشاب، مهما كانت كفاءته ورؤيته، يجد نفسه في مواجهة “حيتان” المال، وشبكات المصالح الراسخة، وعائلات تسيطر على “بلوكات” تصويتية. هو يحتاج إلى ملايين لطباعة اللافتات، وتمويل المؤتمرات، وتسيير “الخدمات الانتخابية”، وهو ما لا يملكه.
وهكذا، يجد الشاب المؤهل نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما أن ينضم إلى “لعبة الكبار” ويقبل بتمويل من أصحاب المصالح (فيفقد استقلاليته ويصبح جزءاً من المشكلة)، أو أن ينسحب من المشهد تماماً، تاركاً الساحة للمال السياسي ليعيد إنتاج نفسه.
وللأسف، طالما بقيت هذه المعادلة قائمة، وطالما ظل “المال” هو المتغير الأقوى في تحديد هوية النائب، قد يظل الحال على ما هو عليه حتى في الفترات القادمة. وستبقى الكفاءات الشابة التي أهلتها الدولة على “أرفف” الانتظار، بينما تدار قاعة البرلمان بمنطق يغيب عنه، في كثير من الأحيان، صوت المستقبل الحقيقي.
المحور الثالث: “ماذا بعد؟” … الحلقة المفرغة أم الإصلاح الحتمي؟
بعد أن كشفنا كيف تعمل “هندسة” القواعد، وكيف يسيطر “المال” على اللعبة، وكيف يقف “الشباب المؤهل” عاجزاً على خط البداية، فإن سؤال “ماذا بعد؟” لا يصبح مجرد تساؤل مستقبلي، بل هو توصيف لواقع يتشكل أمامنا.
نحن نقف أمام نتيجتين حتميتين لهذا المشهد: الأولى هي “الأثر”، والثانية هي “المستقبل”.
1. الأثر المباشر: برلمان يعكس المال لا الكفاءة
“ماذا بعد” الانتخابات التي تُحسم بالمال؟ النتيجة المباشرة هي “برلمان” يصبح فيه التمثيل مرتبطاً بالقدرة المالية، لا بالكفاءة أو الرؤية. وهذا يخلق “حلقة مفرغة” (Vicious Cycle) هي الأخطر على الإطلاق:
1. المال السياسي يُنتج نواباً أصبحوا مدينين بالولاء لمصادر تمويلهم.
2. هؤلاء النواب، بدورهم، هم مَن يُفترض بهم “التشريع” و “الرقابة”.
3. منطقياً، سيميل هذا المجلس إلى تمرير تشريعات تخدم “المصالح” التي أوصلتهم، وسيكون متردداً في إصدار قوانين صارمة تحد من نفوذ “المال السياسي” نفسه.
وبالتالي، فإن النظام يعيد إنتاج نفسه، ويصبح إصلاحه من الداخل شبه مستحيل، لأن المستفيدين من الوضع الحالي هم مَن يمسكون بأدوات تغييره.
2. التكلفة البشرية: “العزوف السياسي” وقتل الطموح
وهنا نعود إلى شبابنا. “ماذا بعد” أن يرى الشاب المؤهل الذي تحدثنا عنه، والذي أنفقت الدولة على تدريبه، أن الباب مغلق؟
التكلفة هنا ليست مجرد خسارة “مقعد” برلماني، بل هي خسارة “جيل” بأكمله. النتيجة هي “العزوف السياسي” (Political Apathy). ليس فقط العزوف عن التصويت، بل العزوف الأعمق والأخطر: العزوف عن “الإيمان” بالعملية الديمقراطية برمتها.
عندما يدرك الشباب أن الكفاءة والتدريب لا قيمة لهما أمام “شيك بنكي”، فإننا لا نخسر مرشحاً محتملاً، بل نخسر مواطناً فاعلاً. وهذا يفسر لماذا قد تظل نسب مشاركة الشباب في التصويت (باستثناء التوظيف المأجور) ضعيفة؛ فالشعور السائد هو “لماذا أشارك في لعبة نتيجتها محسومة مقدماً بالمال؟”.
3. المستقبل: نحن أمام مفترق طرق
إذاً، “ماذا بعد؟” نحن أمام مفترق طرق واضح:
• المسار الأول: استمرار الوضع الراهن. ويعني هذا اتساع الفجوة بين “مصر التي نراها في منتديات الشباب” (كوادر مؤهلة، نقاشات راقية، رؤى مستقبلية) وبين “مصر التي نراها في الانتخابات” (سيطرة المال، خدمات، عصبية). وهو مسار يزيد من الإحباط ويهدر الموارد البشرية التي تم الاستثمار فيها.
• المسار الثاني: الإصلاح الحتمي. وهذا يتطلب إرادة سياسية حقيقية تتجاوز مجرد “تأهيل” الشباب، إلى “تمكينهم”. هذا الإصلاح يجب أن يكون جذرياً ويستهدف “المحور الأول” الذي ناقشناه:
1. تجفيف منابع المال السياسي: عبر تفعيل “صارم” وحقيقي لقوانين الإنفاق الانتخابي، والشفافية الكاملة لمصادر التمويل.
2. إعادة هندسة الانتخابات: التفكير في نظم انتخابية (مثل القائمة النسبية غير المشروطة) تقلل من الاعتماد على المال وتمنح فرصة أكبر “للبرامج” و “الأحزاب” التي يمكن للشباب الانخراط فيها، بدلاً من المنافسة الفردية المكلفة.
3. ديمقراطية حزبية: تفعيل الديمقراطية “داخل” الأحزاب نفسها، لضمان تصعيد الكفاءات الشابة بالانتخاب الداخلي، وليس بالتعيين أو الولاء.
الخاتمة: إن الإجابة على سؤال “ماذا بعد؟” ليست تنجيماً. فبدون مواجهة حقيقية لثلاثية “الهندسة، المال، والتزوير”، ستظل كل جهود تأهيل الشباب مجرد “تدريبات نظرية”، بينما تظل مفاصل السلطة التشريعية الفعلية في أيدٍ أخرى. الإصلاح الحقيقي هو الضمان الوحيد لجعل رؤية الدولة في شبابها متطابقة مع واقعها السياسي.
و “ما زال أمامنا متسع من الأمل، فالتاريخ لا يرحم من يقف متفرجاً، بل يخلّد من يسعى للتغيير ولو بالكلمة.”