في الزاوية الأضيق من خيمة النزوح، حيث لا شيء سوى غبار الذكريات ورائحة الفقد، تجلس جنى شحادة، ابنة 13 ربيعاً، لتصنع من ألوانها عالماً موازياً جنى، التي لم تمهلها الحرب طفولتها، اختارت أن تحول وجعها إلى “فن مقاوم”، رافضة أن تندثر حكاياتها وحكاية والدها الذي ارتقى شهيداً تحت أنقاض الحرب.
فن يوثق الغياب
بالنسبة لجنى، الرسم ليس مجرد هواية، بل هو “لغة النجاة” في لوحاتها، لا تجسد جنى مجرد مناظر طبيعية، بل ترسم “واقعاً” تعيشه بكل تفاصيله القاسية تقول جنى لـ”القصة” بكلمات تختزل أوجاع جيل كامل: “كنت أرسم لأهرب من صراخ القصف في البداية، والآن أرسم لأحكي للعالم كيف سرقت الحرب ملامح أبي، وكيف نعيش على ذكرياته في خيامنا”.
في لوحاتها، يظهر والدها حاضراً في كل تفصيل، في نظرات الأطفال الخائفين، وفي ظلال الخيام التي باتت وطناً بديلاً إنها ليست مجرد خطوط وألوان، بل هي “وثائق بصرية” تصرخ بأن من رحلوا كانوا يملكون أحلاماً، أسماء، و بيوتا.
ريشة تقاوم الانكسار
تعتبر جنى أن لوحاتها هي “صدى لروح والدها”؛ فهي تدرك بوعي يتجاوز سنوات عمرها القليلة، أن الفن هو أرقى أشكال الصمود. في كل ضربة فرشاة، تحاول جنى أن ترمم الشروخ التي أحدثتها الحرب في روحها وفي قلوب عائلتها.
هي ابنة غزة التي قررت ألا تكون “رقماً” في نشرات الأخبار، بل أرادت أن تكون “صوتاً” يوثق الحقيقة. في كل مرة ترفع فيها جنى ريشتها، فهي تقول للعالم: “هنا كان لي أب، وهنا كانت لي حياة، وسأظل أرسم حتى تشرق شمس الحقيقة”.

