ألا يوجد قانون يحاسب ويعاقب من يتعدى على أنثى ويتحرش بها-التعدي والتحرش ليس جنسيًّا فقط- ليلزم كل شخص أن يحفظ لسانه داخل فمه غير الحكيم، ويلزم حدوده التي لا علم له بها، فلا يتجاوزها لأي سبب كان؟!
لماذا لم تحرر فتاة المترو التي وقع عليها الضرر محضرًا لتُخرس ألسنة مَن على شاكلة ذلك المعتدي في التفكير والفيديو دليلٌ معها لإثبات الحالة!
الجدال في بديهيات على شبكة التواصل الاجتماعي يعطي الفرصة لانتشار التخلف الفكري والانحرافات الأخلاقية، وأحيانًا كثيرة يعطي الحق لمن لا حق له ويسلب صاحب الحق حقه، وسط كل هذا الجهل المجتمعي والتشتت الثقافي اللذين نشهدهما على مسمع ومرأى منا جميعًا.
أشعر بالغثيان بعدما شاهدت ذلك الفيديو للرجل الصعيدي وهو يتعدى على الفتاة في المترو؛ لأنها تجلس أمامه واضعة رجلها على رجلها الأخرى، فحسب فكره المحدود هذا الفعل غير محترم ولا يليق بها لأنها امرأة، ولكن ما يليق به بصفته رجلًا أن ينصِّب نفسه وصيًّا على سيدة ويتهجم عليها في إحدى وسائل المواصلات العامة، وسط صمت وذهول الركاب معطياً لها درساً سافلاً في الأخلاق! صارخاً في وجهها، سابّاً فيها وفي تربيتها، ومتهِماً إياها بقلة الاحترام؛ بل وما زاد الطين بلة ما أضافه في مقطع فيديو لاحق، أن السيدة المحترمة لا تحمل تليفون “تاتش” وتستخدمه لأي غرض غير العمل!
شاهدت فيديو آخر لجارة عروس المنوفية المقتولة على يد زوجها بسبب الضرب المبرح، تؤكد للإعلام أن كل الرجال يضربون زوجاتهم، فحسب فهمها هذا هو السائد والطبيعي! وغير ذلك من قضايا وحوادث عنف ضد المرأة تقشعر لها الأبدان نقرأها ونشاهدها باستمرار في وسائل الإعلام المختلفة التي تغطي الأخبار في التو والحال بأنحاء مصر.
أين دور المجلس القومي لحقوق المرأة ووزارة الثقافة والهيئة الوطنية للإعلام ووزارة التربية والتعليم من كل هذا العبث؟ أين دور مؤسسات الدولة المسؤولة عن شؤون المرأة وحقوقها والتوعية ضد العنف الأسري والتحرش ضد المرأة والطفل؟ أين دور المناهج الدراسية والندوات الثقافية والبرامج التدريبية والوفود الحكومية التي يجب أن تجوب جميع محافظات مصر وقراها لتوعية المجتمع بحقوق المرأة وما لكل فرد من حق وما عليه؟
أما الجانب المشرق فهو دور وزارة الداخلية الذي يظهر تفاعله جليًّا في محاربة قضايا العنف والتحرش ضد المرأة عند تلقي أي استغاثة، فيجيبون ويظهرون في الحال. يجب أن يُشكروا على تأدية واجبهم على أكمل وجه، ويُقَدَّر جهدهم المبذول نحو المجتمع كما يقدرون أهمية حقوق المرأة فيه على نحو ملحوظ.
نريد مجهودًا ملحوظًا كهذا ولكن على نحو أكثر شمولية في إطار برنامج وطني يحدد أهدافه المجلس القومي لحقوق المرأة برعاية الحكومة وبتعاون وزرائها كلٌّ منهم في مجال اختصاصه؛ لأن دور المرأة في المجتمع لا يتجزأ وهو دور غير محدود في تخصص بعينه.
بينما يتعين على أعضاء مجلس الشيوخ إثبات أحقيتهم لمقاعدهم بإصدار تشريعات تحمي حقوق المرأة في الدولة المصرية من شمالها إلى جنوبها؛ فمصر ليست دولة وليدة الحضارة، وإنما حضارتها تعد من أقدم الحضارات التي استمرت آلاف السنين، وهي تبهر العالم بأمجادها وتمكينها للمرأة في مختلف المجالات.
نرجو من البرلمان الذي تشغل المرأة نسبة ٢٥٪ من مقاعده، أن يمثل كل الشعب بأن يطور من نفسه ويعترف أن المرأة نصف المجتمع وليست ربعه، فلا يمكن لنصف المجتمع أن يمثله مجلس أغلبية أعضائه رجال، بل النصف يعني نصف المقاعد في البرلمان ليتمثل الشعب بجنسيه، ويهتم بقضايا المرأة بجدية أكثر، فنتوقع صدور تشريعات تحمي حقوق المرأة في المجتمع ولا تسلبها حقوقها التي حصلت عليها بعد سنوات من المعاناة.
وننتظر من أعضاء مجلس النواب مناقشة تلك التشريعات بتحضر وإنصاف، وألا ينتقوا ما يخدم مصالح الذكور فقط دون الإناث والأطفال، أو يتأثروا بتقاليد عفا عليها الزمن وأثبتت تخلف الأمة وتراجعها؛ بل يضعوا في حسبانهم أن يمثلوا المرأة التي هي نصف المجتمع وعنصر أساسي في تحضر الأمم ونشأة الأجيال.
يجب أن تعرف المرأة في كل أنحاء مصر حقوقها، وتشعر بوجودها وبقيمتها عند إصدار التشريعات وكيفية مناقشتها وإقرارها داخل البرلمان بمجلسيه، حتى يقدِّر الجميع داخل مصر وخارجها قيمة المرأة التي تراجعت على مدار السنين؛ فالأنثى كانت ملكةً في مصر منذ عبق التاريخ، وقبل كل الحضارات كان دورها قياديًّا يمثل القوة والفخر والعطاء في الحضارة المصرية.
على كل نائب ونائبة أن يثبتوا وعيهم الكامل بهذا الحق الأصيل في احترام المرأة وأهمية دورها في المجتمع، ليكونوا أهلًا لمقاعدهم في البرلمان المصري، لنضمن تحضرًا مجتمعيًّا متكاملًا ونهضة حقيقية.
تنتابني مشاعر الأسف والحسرة على مجتمع الجمهورية القديمة الذي نساه مسؤولو الجمهورية الجديدة وسقط من جدول أولوياتهم، فوصل جهله وانحرافه إلى هذا الحد المخيف أثره في كلتا الجمهوريتين القديمة والجديدة على حد سواء!
عتابي على هؤلاء المسؤولين ورئيس الحكومة ووزرائه الذين وحَّدوا مجهوداتهم لخدمة الجمهورية الجديدة فقط ونسوا الجمهورية القديمة وأهلها، وهم الغالبية الغالبة ولا مفر من وجودهم، فلا يمكن أن تجتزئوهم من مجتمع الفقاعات العقارية الفارهة، أو تتخيلوا أن إقامتهم مقتصرة خارج حدودها؛ فهم نفسهم الموظفون والموظفات والعاملون والعاملات والمدرسون والمدرسات داخل تلك الفقاعات ذاتها التي نفختم بها باقي الشعب!
كفاكم نفخًا حتى لا ينفجر الشعب في وجوهكم، ووازنوا الأمور، فقد أصبحنا محض سخرية داخل الدولة المصرية وخارجها.
إن لم يكن الاختلاف بين مصر وإيجيبت واضحًا للمسؤولين اليوم، فحتمًا سيتضح للجميع غدًا؛ لأن احترام الأمم ومقياس تحضرها يبدأ باحترام حقوق الإنسان والمرأة فيها والمساواة في الحقوق والواجبات، فلا أمل في التقدم إذا ما انقسم الشعب إلى شعبين، وضاعت حقوق الإنسان والمرأة والطفل بين انعدام الوعي في مصر وانشغال المسؤولين بإيجيبت!