بينما كانت الرادارات الأمريكية تراجع إحداثياتها، خرجت طهران بمفاجأتين من العيار الثقيل قلبتا موازين القوى في المنطقة الأولى: منصات إطلاق صاروخية ثنائية تضاعف القوة النارية، والثانية: السيطرة على القنبلة الأمريكية الخارقة للتحصينات وإنزالها سليمة.
هذا التطور ليس مجرد “استعراض قوة”، بل هو إعلان صريح عن فشل استراتيجية “تدمير المنصات” التي تفاخر بها دونالد ترامب، ووضع لواشنطن أمام واقع تقني جديد: “سلاحكم بات في قبضتنا”.
المنصات الثنائية.. الرد الصاعق على “مزاعم ترامب”
بعد أن زعم الرئيس الأمريكي تدمير 100% من منصات الصواريخ الإيرانية، جاء الرد الميداني بمنصات “مزدوجة” هذه الخطوة تعني تقنياً أن إيران ضاعفت قدرتها على الإغراق الصاروخي من نفس وحدة الإطلاق، مما يجعل اعتراض هذه الصواريخ من قبل منظومات “الدفاع الجوي” مهمة شبه مستحيلة. هي رسالة واضحة: “إذا كنت لا تستسيغ الصاروخ الواحد، فإليك اثنين في آن واحد”.
السيطرة على قنبلة GBU-39 وهي سليمة تمثل اختراقاً استخباراتياً وعسكرياً مرعباً للبنتاغون هذه القنبلة هي “درة التاج” في الترسانة الأمريكية للقصف الدقيق، وبحكم الخبرة الإيرانية الطويلة في “الهندسة العكسية” كما حدث مع طائرات الدرونز سابقاً، فإن هذا الصيد يمهد لخطوتين:
- صنع نسخ محلية مطابقة تضرب بدقة متناهية.
- ابتكار دفاعات قادرة على شل مفعول هذه القنابل عبر فك شفرات توجيهها.
“الندية الأسطورية”
في قراءة سياسية لهذا المشهد، يرىالدكتور مختار غباشي المحلل السياسي أن ما تفعله إيران حاليًا يمثل حالة فريدة من “الندية” لم تسبقها إليها قوة إقليمية أو حتى دولية كبرى.
ويقول غباشي لـ”القصة”: “لم يستطع أحد إزعاج أو إرعاب الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي بهذا الشكل من قبل؛ لا روسيا ولا الصين ولا أي قوة دولية، الكل كان يركع ويسجد أمام واشنطن ويسبح بحمدها ويقبل شروط ترامب، إلا إيران التي خلقت صموداً أسطورياً وفرضت ندية حقيقية.”
ويضيف غباشي أن المعادلة تغيرت: “أي ضربة أمريكية في العمق الإيراني، يقابلها فوراً ضربات للمصالح الأمريكية والإسرائيلية في المحيط الإقليمي، حجم الضربات الإيرانية بات يشكل ألماً كبيراً لإسرائيل، في وقت فقدت فيه أمريكا خصوصية استراتيجيتها في المنطقة، بعدما خلقت قواعد عسكرية لم تعد قادرة على حمايتها أو حماية الدول الموجودة بداخلها، وتركتها لقمة سائغة تفعل بها إيران ما تريد.”
أزمة الوقت وجنون القرار
من جانب آخر، يضع الدكتور عمرو هاشم ربيع نائب مدير مركز الأهرام للدراسات هذه التطورات في ميزان التفاوض تحت الضغط، ويرى أن كل طرف يحاول الآن إخراج أقصى ما لديه في ظل “ضيق الوقت.
ويحلل الدكتور ربيع الموقف قائلًا لـ”القصة”: “الطرف المعتدي الأمريكي يحاول رفع سقف مكاسبه، فيرد الطرف الآخر بتهديدات بحجم هدم الحضارة، كل هذا يجب أن يؤخذ في إطار التفاوض، سواء كان حقاً أو مناورة”.
ويستطرد ربيع حول حقيقة السلاح الإيراني الجديد: “لو كان هذا التهديد حقيقيًا، فإنه سيشكل حتمية لدى أي صانع قرار أمريكي عاقل يتفاوض لإنهاء الحرب، و إذا تأكدت الاستخبارات الأمريكية من وجود هذه القدرات، فعلى واشنطن أن تختار بين الانسحاب المنظم أو المجازفة الكبرى”.
لكن الدكتور ربيع يطرح تساؤلًا جوهريًا حول التوقيت: “لماذا انتظرت إيران كل هذا الوقت من البهدلة لتكشف عن هذا السلاح؟ هذا يجعلنا نشكك أحيانًا في الحقيقة، لكن أمام شخصية مجنونة مثل صانع القرار الأمريكي الحالي، لا يمكن لأحد أن يتوقع السيناريوهات القادمة بدقة”.
الساعة الحاسمة.. الفجر ينتظر “الوسيط الباكستاني”
ويتفق الخبيران على أننا نحن الآن أمام صراع إرادات مفتوح الولايات المتحدة تضغط بأقصى ما يمكن، وإيران تبني صلابة دفاعية وهجومية غير مسبوقة وتتجه أنظار العالم الآن صوب الجانب الباكستاني الذي يقود وساطة في اللحظات الأخيرة، مضيفين بأن الساعة الثالثة فجراً هي الساعة الحاسمة:
فإما أن يخرج العالم ببيان “التوافق” والهدنة الطويلة ووقف إطلاق النار.
أو يعلن الجانب الباكستاني فشل التفاوض، لتنفجر الأوضاع وتدخل المنطقة في “نفق المجهول” الذي يقوده طرف يصفه الخبراء بـ “المجنون” وطرف آخر أثبت أنه يمتلك مفاجآت لم تكن في الحسبان.