تظل مدينة بورسعيد بما تحمله من تاريخ وطني ونضالي شاهدًا حيًا على ذاكرة مصر الكفاحية منذ فجر المقاومة الشعبية وحتى لحظتنا الراهنة. ولعل متحف بورسعيد القومي كان ولا يزال أحد أهم الرموز التي تُجسِّد هذا التاريخ، باعتباره مستودعًا للهوية الوطنية وذاكرة الشعوب التي قاومت العدوان وصنعت البطولات. ومن ثم فإن إعادة بناء هذا المتحف ليست مجرد مشروع إنشائي، وإنما *قضية وعي وذاكرة وهوية* لا تحتمل الاجتهاد أو العبث أو تغييب الحقيقة.
أولًا: قدسية الموقع وارتباطه بالذاكرة الجمعية
أقيم المتحف القومي على أرض اكتسبت مكانتها من دلالاتها التاريخية ومن ارتباطها الوثيق بفترة العدوان الثلاثي ومرحلة المقاومة الشعبية. فالأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي جزء من القصة نفسها.
وقد جرى هدم المتحف القديم لإعادة بنائه وتطويره، وهو ما يقطع بأن نية الدولة كانت ولا تزال هي إقامة المتحف الجديد في نفس الموقع دون تحويل وجهته، احترامًا للذاكرة ومقتضيات التاريخ.
ثانيًا: عدم جواز نقل المتحف إلى أرض بديلة
في ضوء المبادئ الدستورية والقانونية المستقرة، لا يجوز المساس بالأماكن ذات القيمة التراثية أو تغيير نشاطها الأصلي بما يفقدها دلالتها. كما أن نقل المتحف إلى أي أرض بديلة—مهما كانت مميزاتها—يُعد انتقاصًا من الحق العام في حماية التراث، فضلًا عن كونه إهدارًا للغرض الذي هُدم من أجله المتحف لإعادة بنائه بصورة أفضل.
وما يُثار بشأن نقل المتحف إلى مبنى القبة التاريخي يمثل خلطًا واضحًا بين مبنى إداري قديم وبين متحف قومي له اشتراطات ووظائف ومواصفات لا تتوافر في ذلك المبنى.
ثالثًا: ولا يجوز التفريط في أرض متحف بورسعيد القومي لأي جهة كانت
ولا يجوز—قانونًا أو وطنيًا—التفريط في أرض متحف بورسعيد القومي أو منحها أو التصرف فيها لصالح شركة ماكسيم أو غيرها. فالأرض مال عام ذو طبيعة تراثية يخضع لحماية دستورية تحول دون تغييره أو النزول عنه أو تحويله لأي نشاط استثماري.
إن أي محاولة لضم أرض المتحف لمشروعات خاصة أو استثمارية، أو إدخالها ضمن مخططات استغلال اقتصادي—سواء من محافظ بورسعيد أو من رئيس هيئة قناة السويس—تمثل انحرافًا عن مقتضيات الصالح العام وإهدارًا لموقع تاريخي لا يجوز التصرف فيه أو المساس به.
رابعًا: مناشدة لرئيس الجمهورية
وبناءً عليه، فإننا نناشد رئيس الجمهورية، باعتباره الحامي لصون المال العام وحارسًا للهوية القومية، بالتدخل العاجل لمنع أي تصرف أو محاولة للمساس بأرض المتحف، والتوجيه الفوري بإعادة بناء متحف بورسعيد القومي على أرضه الأصلية، حفاظًا على تاريخ المدينة ورمزيتها وعلى ذاكرة أجيال كاملة.
خامسًا: المتحف القومي ركيزة لهوية بورسعيد وحق أهلها
إن أهالي بورسعيد الذين قدّموا التضحيات طوال عقود، لهم الحق الأصيل في أن يُعاد بناء متحفهم على أرضه الأصلية التي نشأ عليها وارتبط بها وجدانيًا وتاريخيًا. فالمتحف ليس مشروعًا إداريًا يمكن نقله، بل عمود من أعمدة الذاكرة الوطنية.
خاتمة: الأرض ليست بديلة عن الذاكرة
إن متحف بورسعيد القومي ليس مجرد مبنى، بل هو ذاكرة شعب وضمير وطن. وأي محاولة لنقله أو التصرف في أرضه أو تسليمها لجهة خاصة تمثل انتقاصًا من قيمة المدينة وتاريخها.
وعليه، فإن إعادة بناء المتحف على أرضه الأصلية هي السبيل الوحيد الذي يحترم التاريخ ويحفظ هوية بورسعيد ويصون ذاكرة الأجيال القادمة.