“قدرنا أن نولد في فلسطين.. ولم نولد في أوروبا.. قدرنا أننا عرب”
بين الحين والآخر، أجد نفسي مدفوعًا للهروب من صخب مواقع التواصل الاجتماعي، أحاول أن أبتعد قليلًا عن عالم “فيسبوك” الافتراضي، الذي أستخدمه أحيانًا كنافذة لمحتوى مفيد، أو أضطر لفتحه قسرًا لمتابعة “المصادر المفتوحة” وبيانات المؤسسات الرسمية، ورصد ما تنشره حسابات المشاهير في الأحداث الإقليمية التي تفرض نفسها علينا، خاصة إذا كنت صحفيًا؛ إذ تظل غارقًا فيها طوال الوقت.
وفي تلك اللحظات التي أتحرر فيها من قيود العالم الرقمي، أشعر براحة نفسية وذهنية حقيقية، كأنني أسترد ذاتي أو أعيد شحن طاقتي من جديد.
أجلس في أي مساحة خضراء، أتأمل الزرع واللون الأخضر والماء؛ فالمشهد وحده كفيل بأن يشرح صدري. هكذا أستريح، وهكذا أستعد لمواجهة صخب حياة لا ينتهي.
في عزلتي تلك، أسرح في أحوال منطقتنا، أحوالنا كعرب، وكابنٍ مخلص لهذه الأمة، أتأمل خرائط الحروب المشتعلة من حولنا، في إقليم أنهكته الصراعات؛ من سوريا إلى العراق ولبنان واليمن وفلسطين، وصولًا إلى ليبيا والسودان وإيران.
بل وحتى الصراعات في بلدان أشقائنا في القارة الإفريقية، الذين جمعتني بهم زمالة من 14 دولة، خرجنا منها إخوة وأصدقاء، وكأنني أعرفهم منذ سنوات. ولتلك الرحلة قصة أخرى سأحكيها لكم لاحقًا.
أسأل نفسي بمرارة: لماذا نحن؟ لماذا هذه البقعة تحديدًا من جغرافيا العالم؟ ما الذي أوصلنا إلى هذه الحالة؟ ومن المسؤول الحقيقي عن كل هذه الصراعات؟ هل هي أزمة “نحن” أم “هم”؟ وهل المقصود بـ”نحن” شعوبنا أم أن “هم” هم من يديرون المشهد؟
من وجهة نظري، يبقى العلم أساس التقدم ورقي أي دولة، والمفتاح الحقيقي لنهضة الشعوب، فالدولة التي لا تضع للعلم أولوية حقيقية، ولا تخصص له ما يستحق من الميزانية، لن تنهض ولن تتقدم في أي مجال، وستظل خارج المعادلة.
وإذا لم تتحسن الأوضاع الاقتصادية لشعوبها، فإنها تظل عرضة للاختراق. فالدول الفقيرة اقتصاديًا أكثر قابلية للتأثير الخارجي، إذ إن القوة الحقيقية تنبع من الداخل، وهذا يتطلب تحسين أوضاع المواطنين وتعزيز الاقتصاد بما ينعكس على حياة الناس، بعيدًا عن الأرقام الرسمية، فإذا أردت أن تعرف اقتصاد أي دولة، فانظر إلى حال شعوبها في الشارع، فالمواطن هو المرآة الحقيقية للوضع الاقتصادي.
أنظر حولي بحسرة، وأتمنى لو كنا في منطقة هادئة بلا نزاعات أو حروب؛ فالدول التي تخوض الحروب لا تستطيع بناء مستشفى أو مدرسة، إذ تذهب الموارد إلى المجهود الحربي، وبطبيعة الحال تتراجع الدولة.
إلا إذا كانت تدافع عن نفسها، ومحاصرة برًا وبحرًا وجوًا منذ عقود، أو تعيش في سجن مفتوح متوارث من الأجداد إلى الأحفاد، كما هو حال الغزاويين، فحينها يصبح الدفاع عن الوطن وكل شبر من ترابه أمرًا حتميًا.
وكما أخبرنا النبي ﷺ: “مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ”
هؤلاء تعرّضوا لظلم ممتد عبر عقود، ظلم توارثته الأجيال حتى بلغ ذروته. وفي السابع من أكتوبر، كان ما حدث رد فعل لا فعلًا مبتدأً؛ فلم يكونوا معتدين، بل واقعين تحت الاعتداء.
فمنذ عام 1948، وفي سجن مفتوح، يعيش الغزاويون معاناة ممتدة، امتدادًا لتاريخ بدأ منذ الانتداب البريطاني عام 1917، وصولًا إلى إعلان قيام دولة الاحتلال في 14 مايو 1948، عام النكبة.
أذكر ما قاله لي شاب فلسطيني من غزة، التقيته صدفة في صالون حلاقة، جاء إلى مصر لتلقي العلاج بعد إصابته في الحرب الأخيرة. تحدث بحسرة لا تخطئها عين، وقال:”أمي وأختي ماتوا قدام عيني في الحرب.. وأبويا عايزني أرجع غزة.. رافض إني أفضل في مصر”.
حاولت أن أزرع بداخله بصيص أمل، فقلت له: “المفروض أبوك يتمنى لك السلامة.. تعيش، تنجح، وتتجوز.. وبنجاحك تسترد حقك”.
نظر إليّ وقال ببساطة وعفوية صادقة: “بيقول لي: لو نموت.. نموت في غزة.. مش هنسيب أرضنا”.
صمتُّ، وقلت في نفسي: “أبطال.. والله إنهم أبطال” ابتسامته كانت مراعاةً للموقف، لكن الحزن في عينيه كان أصدق من أي ابتسامة.
أدرك الآن، ونحن نتحدث عن الغزاويين، أن الصمت أبلغ من أي حديث، أبٌ فقد زوجته وابنته وعائلته، ومع ذلك يتمسك بتراب أرضه، ويقول: “لو أموت.. أموت فيها”.
وجملة واحدة قالها صديقه اختصرت كل شيء: “قدرنا أن نولد في فلسطين.. ولم نولد في أوروبا.. قدرنا أننا عرب”.