قال كارم محمود، السكرتير العام الأسبق لنقابة الصحفيين والأمين العام المساعد السابق لاتحاد الصحفيين العرب، إن هناك مجموعة من المؤشرات التي تؤكد وجود محاولات لإعادة تشكيل المشهد الإعلامي المصري، مشيرًا إلى أن نجاح هذه الخطوات يتوقف على الهدف الحقيقي من عملية التطوير، وما إذا كانت تستهدف إنقاذ الإعلام المصري من أزمته أم مجرد إنهاء أزمة الدولة مع الإعلام.
وأوضح محمود أن من أبرز هذه المؤشرات ما جرى خلال الأشهر الماضية من تشكيل لجنة لمراجعة الأداء الصحفي والإعلامي، وما انتهت إليه من توصيات، إلى جانب الحديث عن عقد مؤتمر عام للإعلام المصري في ديسمبر المقبل، فضلًا عما يتردد من توقعات بشأن حدوث موجة من التغييرات في الوجوه الإعلامية الموجودة على الساحة.
وأضاف أن إعادة هيكلة ديون ماسبيرو وسداد جزء كبير منها تمثل خطوة موفقة ومهمة، معتبرًا أنها يمكن أن تكون بداية جيدة لإعادة ترتيب البيت الإعلامي المصري، بشرط أن تكون رؤية الدولة لتطوير الإعلام قائمة على إخراج الإعلام المصري من أزمته، وليس البحث عن مخرج لأزمة الدولة مع الإعلام.
وقال: “هناك إحساس دائم، وأتمنى أن يكون إحساسًا خاطئًا، بأن الدولة لا تبحث عن مخرج لعودة الإعلام المصري إلى بريقه وألقه وقوته وتعبيره الحقيقي عن هموم المجتمع، وإنما تبحث دائمًا عن مخرج من أزمتها مع الإعلام”.
وتابع: “المشكلة ليست في كيفية إخراج الإعلام من أزمته، وإنما يبدو أحيانًا أن البحث ينصب على كيفية هيكلة وتفصيل وتدجين إعلام على مقاس معايير معينة تضعها الدولة، وهذا إحساس ينتاب قطاعًا كبيرًا من الصحفيين والإعلاميين، ونتمنى أن يثبت المستقبل أن هذا الإحساس غير صحيح”.
سداد ديون ماسبيرو.. هل هو تصحيح لمسار خاطئ؟
وأشار محمود إلى أن ما حدث بشأن ديون ماسبيرو يجب النظر إليه باعتباره تصحيحًا لما جرى خلال السنوات الماضية، عندما تم إنشاء إعلام موازٍ أو بديل للإعلام الرسمي للدولة، ممثلًا في الإذاعة والتليفزيون المصري.
وتساءل: “هل ما نشهده الآن يمثل تصفية لهذا الموروث الذي نشأ خلال السنوات العشر أو الاثنتي عشرة الماضية؟ وهل نحن أمام محاولة لتصفية الخطيئة التي حدثت بإنشاء إعلام بديل وموازٍ لإعلام الدولة؟”.
وأضاف أن إعادة تشكيل مجلس إدارة الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وضم مجموعة من كبار الاقتصاديين وخبراء إعادة الهيكلة الاقتصادية والحوكمة وترشيد الإنفاق، تطرح بدورها تساؤلات مهمة حول مستقبل الشركة.
وقال: “هل سيعمل مجلس الإدارة الجديد على إعادة هيكلة الشركة المتحدة بشكل أو بآخر، ووقف نزيف الخسائر المهول الذي يحدث فيها؟ وهل نحن أمام إعادة ترتيب حقيقية للمشهد الاقتصادي والإداري للإعلام المصري؟”.
ورأى محمود أن التطورات الأخيرة ربما تحمل أيضًا تفكيرًا في العودة إلى إعلام الدولة الرسمي وضخ دماء جديدة في شرايينه، بما يعيد له حضوره وتأثيره.
عودة “الطيور المهاجرة” إلى ماسبيرو
وأعرب محمود عن أمله في أن تمتد عملية إعادة تشكيل المشهد الإعلامي إلى إعادة الاعتبار لماسبيرو، وعودة عدد من الإعلاميين الذين غادروه خلال السنوات الماضية إلى القنوات الخاصة.
وقال: “أتمنى أن يكون الحديث عن التغيير في المشهد الإعلامي صحيحًا، وأن نشهد عودة الطيور المهاجرة إلى ماسبيرو، وعودة مجموعة من الإعلاميين اللامعين الذين خرجوا من ماسبيرو إلى الشاشات الخاصة، حتى يستعيد ماسبيرو بريقه وتأثيره، داخليًا وخارجيًا”.
مؤتمر ديسمبر.. الاختبار الحقيقي
وأكد محمود أن الرهان الحقيقي سيكون على المؤتمر العام للإعلام المصري المقرر عقده في ديسمبر المقبل، مشددًا على أن نجاح المؤتمر لن يقاس بعدد التوصيات التي سيصدرها، وإنما بقدرته على التعامل مع جوهر الأزمة.
وقال: “إذا كان الهدف الرئيسي من المؤتمر هو إخراج الإعلام المصري من أزمته، وليس حل مشكلة الدولة المصرية مع الإعلام، وإذا كان التركيز على إعادة بناء إعلام مهني حر وقوي، فإن المؤتمر يمكن أن يأتي بالثمار التي نرجوها”.
وأضاف: “العلاج الحقيقي للإعلام في العالم كله هو الحرية، وفتح المجال العام، ورفع سقف حرية الرأي والتعبير والنشر، هذه مسلمات وبديهيات”.
وشدد على أن العلاقة بين الإعلام والحرية علاقة لا يمكن فصلها، قائلًا: “الإعلام يتنفس حرية، ويختنق إذا قطعنا شرايينه وقطعنا عنه الدماء والهواء”.
وتابع: “إذا ركز المؤتمر على هذه الحقيقة، حقيقة أن الإعلام يتنفس حرية، فإنه قد يأتي بالثمار التي نرجوها منه، أما إذا كان الهدف هو خلق إعلام تفصيل يناسب مقاس الحكومة المصرية أو ما تريده الدولة من الإعلام، فلن نكون قد عالجنا أصل الأزمة”.
تغيير الوجوه.. وإعادة بناء الثقة
وحول الوجوه الإعلامية الموجودة حاليًا على الساحة، قال محمود إن قطاعًا منها فقد الكثير من تأثيره ومصداقيته لدى الجمهور، معتبرًا أن الوقت قد حان لإعادة النظر في تركيبة المشهد الإعلامي.
وأوضح: “الوجوه السائدة حاليًا أصبحت بينها وبين الجمهور مساحة كبيرة من عدم المصداقية وعدم الثقة وفقدان التأثير، وأرى أن آن الأوان لأن ينزاح عدد كبير منهم عن الشاشات وعن المشهد الإعلامي بشكل عام، سواء في الصحف أو محطات التلفزيون”.
وأضاف أن بعض هذه الوجوه، سواء بإرادتها أو رغمًا عنها، ساهمت في فقدان الثقة بين الإعلام والجمهور، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إعادة بناء هذه الثقة على أسس مهنية حقيقية.
وقال: “عدد كبير منهم يجب أن يختفي من المشهد، لأنهم كانوا سببًا، سواء برغبتهم أو بالرغم من إرادتهم، في فقدان الثقة بين الإعلام والجمهور”.
ودعا محمود إلى صياغة مشهد إعلامي جديد يجمع بين الخبرة والشباب، مؤكدًا أن الحل لا يكمن فقط في تغيير الوجوه، وإنما في بناء جيل جديد من الإعلاميين يمتلك المهنية ويحصل في الوقت نفسه على المساحة الكافية من الحرية.
وقال: “نحتاج إلى المزج بين عناصر الخبرة التي تتمتع بالمهنية والمصداقية والقبول الجماهيري، وبين إعطاء الفرصة لمجموعة من الشباب المؤهل مهنيًا”.
وأضاف: “يجب أن يحصل الشباب على مساحة كافية من الحرية لكي يبدع وينتج إعلامًا جديدًا مؤثرًا، سواء في محيطه المصري أو العربي، كما كان الإعلام المصري دوماً”.
وشدد على أن الطموح يجب ألا يتوقف عند استعادة الإعلام المصري لتأثيره المحلي والعربي، وإنما يجب أن يمتد إلى استعادة دوره وتأثيره على المستوى الدولي.
وقال: “نطمح إلى أن يستعيد الإعلام المصري قوته وتأثيره، وأن يكون مؤثرًا في محيطه المصري والعربي، بل ولا نبالغ إذا طمحنا إلى أن يكون له تأثير أيضًا على المستوى الدولي”.