أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

“كل الرجال ولاد تيت وكل النساء ولاد ستين تيت”.. كيف تحوّل الألم الشخصي إلى سرديّة عامة بين الرجال والنساء؟

لم يعد من الصعب ملاحظة حجم العداء المتبادل الذي يتصاعد بين الرجال والنساء في السنوات الأخيرة، يكفي أن نفتح أي منصة من منصّات التواصل الاجتماعي لنرى انهيارًا كاملًا في اللغة، واتهامات مطلقة، وتعميمات قاسية تُختزل فيها الإنسانية كلها إلى جمل من نوع: “النساء طامعات في المال” و”الرجال لا يريدون إلا استغلال النساء وخداعهن”.

وكأن الحياة أصبحت معركة وجود، وكأن كل طرف يعيش في حالة تأهّب مستمرة ضد الطرف الآخر، لا خشيةً من الألم الجديد وحده، بل بسبب الألم الذي لم يلتئم بعد. هذا التحوّل الفكري والاجتماعي الذي يجعلنا نرى الآخر من خلال جروحنا يتوافق مع ما يسميه علماء النفس بالإسقاط (Projection)، حيث يُلقي الإنسان آلامه وتجارب خيبته على مجموعة كاملة من الناس، ليحمي نفسه من مواجهة التجربة الأصلية ومن الاعتراف بأن الألم كان فرديًا لا كونيًا.

لكن خلف هذه الجمل الحادة، ثمّة حقيقة أخطر: الألم الفردي أصبح يُسوَّق وكأنه قانون كوني. التجربة الشخصية تحوّلت إلى نبوءة عامة، والخسارة صارت دليلًا على فساد جنس كامل، وكأن الإنسان لم يعد يرى إلا من خلال جرحه. وهذه بالضبط ظاهرة يصفها علماء الاجتماع بـ “التعميم الأخلاقي” Moral Generalization، حين يتحول حدث فردي إلى تفسير شامل للسلوك البشري. وهي ظاهرة خطيرة لأنها تُنتج خطابًا مشوّهًا، سهل الانتشار، عالي التأثير، لكنه بعيد جدًّا عن الحقيقة، وقريب جدًّا من ردود الفعل الانفعالية التي لا ترى العالم كما هو، بل كما جُرحت منه.

أخبار ذات صلة

2Hh5eu3L9T_1764430139
الشرق: إسرائيل تستأنف ضخ الغاز لمصر بعد "انتهاء الصيانة"
images (92) (5)
مواعيد مباريات اليوم الأحد 30 - 11- 2025 والقنوات الناقلة
IMG-20251003-WA0029(1)
"كل الرجال ولاد تيت وكل النساء ولاد ستين تيت".. كيف تحوّل الألم الشخصي إلى سرديّة عامة بين الرجال والنساء؟

حين يأكلك شخص واحد.. ثم يبتلع العالم كله معك

لستُ غريبة عن هذه السرديات، ولستُ أتحدث عنها من بعيد أو ببرود الباحث الذي يراقب الظاهرة دون أن تُمسَّه نارها. لقد اختبرتُ بنفسي تجربة واحدة كفيلة بأن تغيّر رؤيتي — ولو مؤقتًا — للعالم بأكمله. تجربتي مع رجلٍ كان أقرب إلى الكارثة الإنسانية؛ رجل يعيش بالكامل على تعب الآخرين، يتنقّل بين الكذب والتلاعب وكأنه يمارس رياضة يومية، لا يعرف معنى الصدق ولا يحترم أي حدود. كان يستنزفني عاطفيًا، ينهش روحي خطوة بعد أخرى، يحمّلني ذنوبًا لم أرتكبها، ويبتزّني بالمشاعر تارة، وبالحزن المصنوع تارة أخرى.

وعلى المستوى المادي، كان يعيش على ما أملك، يأخذ ولا يعطي، يطالب ولا يشبع، يفتح يديه باستمرار وكأنه يرى العالم خُلق لخدمته. كان يسحب من طاقتي وأموالي ووقتي وكرامتي، بينما يزيّن لنفسه صورة مخادعة يقدّمها لي كلما حاولتُ أن أستعيد وعيي. وحين كنت أتعب — وأتعب كثيرًا — كان يرمي عليّ اللوم، ويقدّم لنفسه مبررات جاهزة ليخفي قذارته خلف كلمات رخوة وأعذار واهية. كان يجمع بين العنف النفسي، والابتزاز، والكذب، والخيانة، والاستغلال… مزيجًا لا يخطر ببال من عرف طيبة الرجال قبل أن يراها تُسحق تحت قدم رجل كهذا.

وفق نظريات العلاقات المؤذية (Toxic Relationships)، هذا النوع من الشخصيات يعتمد على ما يسمى “الاستنزاف العاطفي” Emotional Drain و “التلاعب الإدراكي” Gaslighting، حيث يفقد الضحية تدريجيًا القدرة على الثقة في حكمه على الأحداث، لأنه يتعرض لإعادة تشكيل الواقع من قِبَل شخص ماهر في التلاعب. الأسوأ أن هذا النوع من العلاقات يُنتج ما يسميه أخصائيو علم النفس “صدمة الارتباط” Trauma Bonding، وهي رابطة عاطفية مشوّهة تجعل الضحية تتمسك بالمؤذي بدافع الأمل أو الذنب أو الخوف، وليس الحب. وللحظة قصيرة كدت أصدق السردية التي يرددها كثيرون: “كل الرجال هكذا.” لكن هذا الصوت لم يأتِ من داخلي، بل من جُرحي، من ألم عالق لم يجد طريقًا للشفاء بعد.. من صدمة جعلتني أرى العالم بعين واحدة.

لكن.. هل حقًا يشبه الرجال كلهم هذا الرجل؟ وهل النساء كلهن نسخًا شريرة من تلك السرديات؟

لو كانت التجربة الشخصية معيارًا للحقيقة، لأصبحت البشرية ساحة خراب. لأن كل واحد فينا مرّ بما يكفي لتشويه الرؤية، وتعميم القبح، ونسيان الخير. وأنا نفسي — قبل هذه التجربة وبعدها — عرفتُ عشرات الرجال الطيبين، الهادئين، المحترمين، أصحاب الخُلُق والرحمة والضمير. رجال وقفوا بجانبي في أصعب اللحظات، كانوا دعمًا، وقوة، ونُبلاً. رجال مختلفون تمامًا عن ذلك النموذج الذي حاول أن ينحت داخلي صورة مشوّهة عن كل الرجال.

وعرفت نساءً طيبات، ممتلئات حبًا وحنانًا وعطاءً، نساءً يخجل القلب من وصفهن لأن لطفهن أكبر من أي كلمات. لكن، وفي الوقت نفسه، رأيت نساءً يتعاملن مع الرجل كأنه محفظة متنقلة، كاميرا صرف آلي، ومجموعة مطالب لا نهاية لها… نساءً يتقنّ التلاعب بالهدايا والذهب والمال. ومع ذلك، لا يمكنني — مهما حدث — أن أصدق أن هذا هو “الطبيعي”. الواقع ببساطة يقول إن الخير والشر موجودان في كل مكان، وأن البشر موزّعون على الطيف كله، وليسوا مجموعتين نقيتين إحداهما ملائكة والأخرى شياطين.

ما يحدث هنا يتوافق مع مفهوم “الانحياز التأكيدي” Confirmation Bias، وهو ميل الإنسان إلى رؤية ما يؤكد تجربته واعتقاده فقط، وتجاهل ما يخالفهما، خصوصًا بعد الألم. فالإنسان المجروح يرى القبيح لأنه يشبه ما اختبره، ويتجاهل الجميل لأنه يعقّد السردية التي يستند إليها في فهم ألمه. ولكن سواء أحببنا أم لا، الحقيقة أن العالم ليس مظلمًا كما تراه أعيننا لحظة السقوط.

السوشيال ميديا: حيث يتحول الجرح إلى رأسمال والكراهية إلى مهنة

الطبيعة البشرية لم تتغير فجأة. الرجال لم يستيقظوا في صباح واحد ليصبحوا وحوشًا، والنساء لم يتحولن جميعًا إلى مستغِلات. الذي تغيّر حقًا هو منصة الخطاب. السوشيال ميديا — بخوارزمياتها الجشعة — تروّج لما يحرّك الغضب، لا لما يبني الفهم. كل فيديو يتحدث عن طمع النساء يجمع ملايين المشاهدات، وكل منشور يتهم الرجال بالخيانة يصبح “تريند”. المنصات لا تكافئ الكلام الهادئ المتزن، بل تكافئ الصدام، والشتيمة، والقسوة، وإثارة المشاعر السلبية.

وفق نظريات ديناميات الجماهير في الفضاء الرقمي Digital Crowd Dynamics، الخوارزمية تُعظّم المحتوى العاطفي عالي الإثارة لأنه يحفّز مراكز الانتباه في الدماغ. وهذا ما يسمى في علم نفس الإعلام “اقتصاد الانتباه” Attention Economy؛ أي أن المنصة لا تهتم بالحقيقة، بل بما يطيل بقاء الناس أمام الشاشة. وهكذا يصبح المحتوى الذي يحفّز الغضب أو الخوف أو الانتقام هو الأكثر انتشارًا. الناس الذين يتألمون يجدون في هذا المحتوى عزاءً مؤقتًا، لكنه عزاء سامّ، لأنه يحوّل الجرح إلى هوية، والتجربة إلى قانون، والألم إلى سلاح موجه نحو جنس كامل. وأصبح لكل طرف مشاهيره الذين يتربحون من الكراهية: رجال يصنعون فيديوهات تمتلئ بالاتهامات، ونساء يصنعن محتوى مضادًا مليئًا بالانتقام. وهكذا تتسع الحرب… بينما الحقيقة تضيق.

الحقيقة التي تغيب في وسط العاصفة

على الرغم من هذا الضجيج، يظل الواقع بسيطًا: نحن بحاجة إلى بعضنا البعض — ليس فقط حاجة بيولوجية أو اجتماعية، بل حاجة إنسانية، ساكنة، عميقة، عبّر عنها القرآن بأجمل ما يكون: “لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا”. السكن لا يتحقق بين أعداء، ولا بين طرفين يترصد كل منهما الآخر، ولا بين رجل يخاف من استغلال امرأة، ولا بين امرأة تخاف من قسوة رجل. السكن يتحقق حين يدرك الطرفان أن العلاقة ليست ساحة حرب، بل مساحة شفاء، وتفاهم، واحترام.

وفق علم النفس العلائقي Relational Psychology، العلاقات الصحية تبنى على ثلاثة أسس: الأمان – الاحترام – والنية الطيبة.

وعلم الاجتماع يضيف مبدأً رابعًا: التعاقد الأخلاقي؛ أي اتفاق غير مكتوب بين الطرفين على توزيع الأدوار بشكل عادل، بعيدًا عن الطمع أو الخوف أو السيطرة. المسائل المادية لا يجوز أن تُدار بالابتزاز أو التخوين أو السعي للهيمنة، سواء من الرجل أو المرأة. بل يجب أن تكون جزءًا من تفاهم أوسع، يحفظ كرامة الطرفين، ويضمن أن العلاقة مساحة راحة لا ساحة استنزاف.

ختامًا: لنخفّف من صوت الجرح.. كي نعيد سماع صوت الإنسان

من السهل جدًا أن نُعمّم، لأن التعميم يمسح وجوه الناس ويستبدلها بوجه واحد يشبه أذانا. لكنه فعل جبان، يهرب من التعقيد، ويهرب من الاعتراف بأن العالم ليس مظلمًا كما بدا لحظة السقوط. أنا مررت بتجربة موجعة، وهذا صحيح. لكنني رأيت أيضًا ما يكفي من الحنان ليجعلني أرفض السرديات المسمومة، ورأيت ما يكفي من الخير لأؤمن بأن البشر — رجالًا ونساءً — يستحقون أن نراهم خارج ظل الجرح، وأن نمنحهم فرصة الظهور كما هم، لا كما شوّهتهم تجارب مؤلمة أو صناعة المحتوى المبني على الكراهية.

لنُخفض أصوات الغضب، ونرفع صوت الفهم.

لنُعيد للإنسان مكانته، وللعلاقة معناها، وللمودة حقّها.

فالحياة ليست صراعًا، بل محاولة مستمرة للعثور على “سكن” وسط عالمٍ مضطرب… سكن يجد فيه كل منا الآخر بلا خوف، وبلا روايات مسبقة، وبلا أحكام جاهزة، وبلا ذاكرة مثقوبة تُعيد إنتاج الألم أكثر مما تُعيد إنتاج الحقيقة.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

807166294019720251030070213213
غدًا.. موعد صرف معاشات ديسمبر 2025
قصة المواطن في مصر
شكاوى من ارتفاع أسعار اللحوم والدقيق وكرتونة البيض.. واستياء المرضى في مستشفى هرمل
2025_7_13_14_15_25_947
أسعار الذهب والخضراوات واللحوم.. وهذه حالة الطقس اليوم
202311070934233423
أجواء خريفية باردة.. حالة الطقس اليوم الأحد

أقرأ أيضًا

IMG-20251129-WA0001
ضرورة إعادة بناء متحف بورسعيد القومي على أرضه الأصلية
IMG_1158
عن الفن والحرية.. من القاهرة إلى الرياض
f46d1c12-524d-4d89-92d3-b59fbfb43ae7
عناوين ملطخة بالقسوة: حين تفقد الصحافة إنسانيتها
IMG-20251126-WA0022
صديقي المثقف: تكلم