في قلب القاهرة الخديوية، حيث تتشابك الملامح العمرانية الكلاسيكية بروح المدينة الحديثة، يقف ميدان عابدين شاهدًا حيًا على أكثر من 150 عامًا من تاريخ مصر السياسي والاجتماعي، هنا، لا يكتفي المكان بسرد حكايته عبر المباني والشوارع، بل ينبض بالحياة كل يوم بين مواطنين وسياح وتجّار ومؤسسات رسمية، ما يجعل منه نقطة التقاء بين الماضي والحاضر.
الإرث التاريخي للخديوي إسماعيل
بدأت ملامح ميدان عابدين في الظهور خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في إطار مشروع الخديوي إسماعيل لتحديث القاهرة على النسق الأوروبي.
قرر إسماعيل تحويل المنطقة من تجمعات سكنية محدودة إلى مركز سياسي وإداري جديد للدولة، فكان بناء قصر عابدين عام 1863 نقطة التحول الكبرى، ويعد الميدان هو أكبر ميادين مصر مساحة، حيث تمّ تخطيطه على مساحة بلغت تسعة أفدنة.
سُمي الميدان وحيّ عابدين باسم عابدين بك الأرناؤوطي، وهو قائد عسكري بارز في عهد محمد علي باشا، وكان لعابدين بك قصر صغير في ذلك الموقع قبل بناء القصر الكبير، واشترى الخديوي إسماعيل هذا القصر من ورثة عابدين، وسمّاه باسمه، في خطته لتطوير المنطقة وجعلها قطعة من أوروبا، كما كان يخبر مهندسيه، وقد ترك المشروع بصمة لا تزال ظاهرة حتى اليوم في تخطيط الميدان وشوارعه المحيطة.
متحف مفتوح على التاريخ
يُعد قصر عابدين أبرز معالم الميدان، وهو أحد أهم قصور الحكم في تاريخ مصر الحديث، شهد القصر أحداثًا مفصلية، بدءًا من عهد الأسرة العلوية وحتى قيام ثورة يوليو 1952.
كان الحدث المفصلي في السنوات الأولى للتأسيس، الثورة العرابية، حين شهد ميدان عابدين مواجهة تاريخية بين أحمد عرابي وجنوده من جهة، والخديو توفيق من جهة أخرى عام 1881، حيث احتشد نحو 4 آلاف ضابط وجندي أمام سرايا عابدين، وسط جمع غفير من المواطنين الذين جاءوا لمشاهدة هذا المشهد الحاسم.
كان قصر عابدين وميدانه، مركزًا للتجمعات الشعبية، وعرض مطالب جماهيرية خلال أحداث ثورة 1919: حيث ملأ الناشطون ميدان عابدين القريب من القصر، يطالبون بالإصلاح السياسي وإنهاء الحماية البريطانية، وامتدّت المظاهرات حتّى حي الدرب الأحمر، والسيدّة زينب.
تحوّل القصر اليوم إلى متحف رئاسي يضم قاعات واسعة وأسلحة نادرة ومقتنيات رسمية وهدايا تاريخية تمثل مراحل مختلفة من الحكم. ويُعد القصر مقصدًا مميزًا للسياحة الداخلية والخارجية، ويتيح لزواره فرصة نادرة لاكتشاف جانب من تاريخ الدولة المصرية في أروقته وغرفه، فيما يستشعر الزائر المتجوّل بين غرف القصر الواسعة، وكأنّه يسير بين صفحات لا تنتهي من كتاب تاريخ حي ينبض.
ميدان بنبض الشارع
لم يكن الميدان مجرد مساحة تاريخية جامدة، بل استطاع عبر عقود طويلة أن يصبح منطقة محورية للحركة اليومية في القاهرة، وقد برزت مكانته خلال ثورة يناير 2011، بعدما تحول إلى ساحة ثقافية وفنيّة مفتوحة، من الجمهور واليهم، حيث انطلق مشروع الفن ميدان في أبريل 2011 بميدان عابدين كأحد أبرز المبادرات الثقافية بعد ثورة يناير، بهدف إعادة الفضاء العام للجمهور عبر الفنون والإبداع.
وكانت تقام الفعالية عادة في أول سبت من كل شهر، وتشمل عروضا موسيقية ومسرحية وفنون تشكيلية وورش للأطفال والكبار، مقدمة من فنانين مستقلين دون مقابل، وبتمويل يعتمد على التبرعات ومؤسسات المجتمع المدني .
حمل المشروع بعدًا اجتماعيًا وسياسيًا، حيث أصبح الميدان منصة للتعبير الحر عن مطالب الثورة مثل الحرية والعدالة وإلغاء المحاكمات العسكرية للمدنيين، ورغم نجاح الفعالية في تحقيق حضور جماهيري واسع، واجهت عدة تحديات أبرزها إلغاء بعض الأنشطة لأسباب أمنية وتوقفها أحيانًا نتيجة نقص التمويل. وبذلك شكّل الفن ميدان تجربة رائدة جمعت بين الفنون والعمل المدني، وجعلت من ميدان عابدين ساحة مفتوحة للتفاعل الثقافي والفكري بعد الثورة.
التطوير وإعادة التأهيل
بالنسبة للكثير من سكان العاصمة، لا يمثل الميدان وجهة سياحية فحسب، بل محطة يومية لقضاء الأعمال ومتابعة الشؤون الحياتية، إذ يرتبط المكان يوجود العديد من المؤسسات حكومية، المصالح الإدراية، والمحال التجارية، فضلًا عن وجود شبكة واسعة من المواصلات العامة، التي تربط الميدان بكل مناطق وأحياء القاهرة المختلفة، مما يسهل الوفود إليه.
فضلًا عن الأنشطة اليومية التي تربط السكان بالمكان العتيق، لكنه يظل وجهة شديدة الجاذبية، إذ يمثل ميدان عابدين مثالًا فريدًا على اندماج التراث بالحياة العصرية. فبينما يقف الزوار أمام القصر لاستيعاب تاريخ المكان، يمر حولهم مئات المواطنين الذين يواصلون يومهم الاعتيادي بين حركة السيارات والمحال والأعمال الحكومية، مما يمنح الميدان شخصية خاصة تجمع الوقار التاريخي و الحيوية المدنية
كما أصبح الميدان خلال السنوات الأخيرة محطة مهمة ضمن برامج الزيارة السياحية للقاهرة التاريخية، خاصة مع تطوير محيط القصر وتنظيم الفعاليات التي تستضيفها منطقة وسط البلد. وتعمل جهات مختلفة على تعزيز تجربة الزوار من خلال فتح قاعات جديدة داخل المتحف، تحسين الخدمات، تنظيم جولات إرشادية، وهو ما ساهم في زيادة الإقبال المحلي والأجنبي على المكان.
هذا التمازج جعل الميدان رمزًا لهوية القاهرة نفسها: مدينة لا تتوقف عن الحركة دون أن تتخلى عن جذورها، ليظل ميدان عابدين أكثر من مجرد ميدان أو مبنى قديم، فهو مرآة لتاريخ مصر الحديثة ومساحة تعكس تطورها السياسي والاجتماعي على مدى أكثر من قرن ونصف، وفي الوقت الذي تتجدد فيه القاهرة وتتحرك نحو المستقبل، يواصل الميدان رسالته كموقع يجمع الحكاية والذاكرة والنبض اليومي في لحظة واحدة.