لم تكن مائدة حزب المحافظين التي انعقدت في سبتمبر الجاري أولى التجمعات التي يُفتح فيها ملف تطوير الحياة الحزبية، لكنها جاءت في وقت تتكرر فيه الأسئلة حول أسباب ضعف الأحزاب، وما الذي يمكن تغييره داخلها وفي البيئة المحيطة بها.
وجاءت المائدة بعنوان “نحو استراتيجية وطنية لتنمية الحياة الحزبية في مصر”، وجمعت ممثلين عن أحزاب وقوى سياسية وشخصيات عامة، لمناقشة البيئة السياسية والتشريعية والمالية للعمل الحزبي، والنظام الانتخابي، ومشاركة الشباب، وعلاقة الأحزاب بالمواطنين، إلى جانب دورها في إنتاج السياسات والاستعداد للمنافسة السياسية.
ولكن قبل مائدة “المحافظين”، تناولت دراسات ومبادرات مختلفة عددًا من هذه الملفات، وركزت على مشكلات الأحزاب من الداخل، وعلاقتها بالمواطنين، وطبيعة البيئة التي تعمل فيها، وما تحتاجه الحياة الحزبية حتى تصبح أكثر فاعلية.
مشكلات تبدأ من الأحزاب
وبحسب دراسة لمركز رع للدراسات الاستراتيجية، فإن الأحزاب تمثل جزءًا أساسيًا من العمل الديمقراطي والمشاركة السياسية، لكنها تواجه تحديات هيكلية وقانونية وتنظيمية تؤثر على قدرتها على أداء دورها.
وتشير الدراسة إلى أهمية وجود هيكل تنظيمي واضح يوزع المسؤوليات والاختصاصات، وتعزيز الوعي السياسي لدى الأعضاء، إلى جانب وجود آليات للحوار الداخلي بين القيادات والقواعد الحزبية تقوم على الشفافية والمشاركة وتساعد على حل الخلافات بصورة مؤسسية.
وترصد الدراسة عددًا من المشكلات، من بينها ضعف التخطيط الاستراتيجي، والتشتت التنظيمي، وضعف نظم تقييم الأداء والمتابعة، إلى جانب الاعتماد أحيانًا على معايير غير موضوعية في اختيار الأعضاء والقيادات.
كما تشير إلى محدودية مشاركة الشباب والمرأة في مواقع صنع القرار، وضعف التواصل بين القيادات والقواعد، وقصور برامج التدريب والتأهيل، إلى جانب النزاعات التنظيمية والصراعات الشخصية، وتغليب المصالح الشخصية على العمل المؤسسي.
الإصلاح من الداخل أولا
وفي مقال للواء الدكتور رضا فرحات، نشره في يوليو الماضي بعنوان “إصلاح الحياة الحزبية.. من أين نبدأ؟”، يوضح أن قوة النظام الحزبي لا تُقاس بعدد الأحزاب المسجلة، وإنما بقدرتها على التعبير عن مصالح المواطنين، وصياغة السياسات العامة، وإعداد القيادات، وإدارة المنافسة السياسية بصورة فاعلة.
ويرى فرحات أن وجود عشرات الأحزاب لا يعني بالضرورة وجود حياة حزبية قوية، في ظل ضعف القواعد الجماهيرية والبرامج الواضحة والحضور المؤثر في الشارع، مشيرًا إلى ضعف التواصل مع المواطنين، والاعتماد على النشاط الموسمي المرتبط بالانتخابات، إلى جانب محدودية إعداد الكوادر الشابة وضعف مراكز الدراسات والبحوث.
ويؤكد أن إصلاح الحياة الحزبية يجب أن يبدأ من داخل الأحزاب، من خلال مراجعة هياكلها وأفكارها، وتفعيل الديمقراطية الداخلية، والاعتماد على الكفاءة في اختيار القيادات، وتحويل الأحزاب من كيانات انتخابية إلى مؤسسات سياسية تعمل بصورة مستمرة. داعيا لتحويل الأحزاب إلى “بيوت خبرة” تضم لجانًا متخصصة لإعداد الدراسات وتقديم بدائل وحلول قابلة للتطبيق، إلى جانب الاستثمار في تدريب الشباب والمرأة وإتاحة الفرصة أمامهما لتولي مواقع قيادية.
حياة حزبية جديدة
وفي يوليو أيضًا، أعلن حزب الإصلاح والنهضة إطلاق مبادرة “حياة حزبية جديدة”، بهدف تعزيز دور الأحزاب ومشاركة الشباب، وإعادة صياغة العمل السياسي بصورة أكثر قربًا من المواطنين، بما يساعد على بناء جيل جديد من القيادات المؤهلة.
وتضع المبادرة تمكين الشباب وإعداد قيادات المستقبل ضمن محاورها الرئيسية، من خلال جذب الطاقات الشابة وتأهيلها سياسيًا وفكريًا عبر برامج تدريبية، وإتاحة الفرصة أمامها للمشاركة في المجالس النيابية والمحلية وتولي مواقع المسؤولية.
كما تركز على تعزيز الحوار المجتمعي وتوسيع المشاركة الشعبية، باعتبار الأحزاب جسرًا بين المواطن وصانع القرار، بما يتيح التعبير المنظم عن آراء المواطنين وتطلعاتهم.
من الأزمة إلى “استراتيجية وطنية”
عندما اجتمع المشاركون على مائدة حزب المحافظين في سبتمبر 2026 ، عادت هذه الملفات إلى النقاش، لكن هذه المرة بعنوان “استراتيجية وطنية” لتنمية الحياة الحزبية في مصر.
اعتبر عمرو الشريف، نائب رئيس حزب المحافظين، أن المرحلة الحالية تمثل فرصة لإعادة إحياء الحياة الحزبية وتقوية دور الأحزاب، مشيرًا إلى أهمية طرح أفكار عملية والاستماع إلى مختلف المشاركين.
وتطرق الدكتور محمد ممدوح، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، إلى مشكلة التمويل، مشيرًا إلى معاناة بعض الأحزاب من ضعف الموارد، بينما يرتبط نشاط أحزاب أخرى بمواسم الانتخابات.
ومن حزب العدل، أشار النائب حسام حسن إلى أن نجاح الأحزاب مرتبط بالمساحة المتاحة لها، بينما اعتبر أن الوصول إلى حد أدنى من المطالب المشتركة يمثل أحد التحديات الأساسية.
وتحدث أحمد ماهر، من حركة شباب 6 أبريل، عن تكافؤ الفرص، خاصة في الظهور الإعلامي والتواصل المباشر مع المواطنين، وطالب بوجود حوافز لدعم الأحزاب.
وتحدث الدكتور حسن هجرس، من حزب الجيل، عن إعادة النظر في تقسيم الدوائر الانتخابية، مشيرًا إلى أن اتساع بعض الدوائر قد يصعب المنافسة أمام بعض الأحزاب، كما دعا إلى إعادة النظر في القيود المفروضة على العمل السياسي داخل الجامعات لتوسيع مشاركة الشباب.
وطرح الدكتور نبيل مراد، مستشار المجلس الرئاسي لحزب، سؤالًا حول طبيعة الخطة المطلوبة، وما إذا كانت مصر تحتاج إلى استراتيجية شاملة أم خطة انتقالية، مشيرًا إلى أن وجود الحزب يقاس بفاعليته وقدرته على تقديم البرامج والحلول.
وفي ختام المائدة، دعا الدكتور يوسف الورداني، مدير مركز تواصل مصر، إلى وضع خارطة طريق واضحة تحدد الأولويات والأدوار والجداول الزمنية، وتنتقل بالمناقشات إلى خطوات عملية يمكن قياسها.
الحديدي: الإصلاح السياسي والاقتصادي مترابطان
وفي تصريحات خاصة للقصة، يوضح رئيس الهيئة التشريعية للحزب، عبد الرحمن الحديدي، أن اختيار هذا التوقيت لإطلاق المبادرة يأتي لأن مصر تعاني من وجهة نظره حالة من الجمود الممتد على المستويات السياسية والاقتصادية والمؤسسية، مشيرًا إلى أن كسر هذا الجمود يحتاج إلى مبادرة وتحرك.
ويشير الحديدي إلى أن الأحزاب تمثل أساس العمل السياسي المنظم، موضحًا أن الخروج من الأزمة بشكل مستدام يحتاج إلى إصلاح هيكلي تدريجي تقوده أحزاب قادرة على تمثيل المجتمع وإنتاج البدائل وتحمل المسؤولية.
ويضيف أن الاستراتيجية تتناول بنية النظام السياسي وقواعد المشاركة والمنافسة، إلى جانب تطوير الأحزاب نفسها، موضحًا أن الإصلاح السياسي والاقتصادي مترابطان.
وفيما يتعلق بأزمة تمويل الأحزاب، يرى الحديدي أنها انعكاس للأزمة الاقتصادية وانغلاق المجال العام، وما يصاحبه من تشويه لصورة العمل الحزبي، ويوضح أن التعامل معها يبدأ باستعادة الثقة وفتح المجال العام، إلى جانب تنويع مصادر التمويل من اشتراكات الأعضاء والتبرعات المشروعة والشفافة.
ويضيف أنه لا يرى مانعًا من تخصيص بند في الموازنة العامة للدولة لدعم الأحزاب، باعتبار أن هذه أموال الشعب، وأن دعم المؤسسات التي تمثله وتخدمه يمثل مصلحة عامة.
ويشدد في الوقت نفسه على أن الحفاظ على استقلال الأحزاب يقتضي أن يتم هذا الدعم وفق معايير موضوعية ومعلنة، مع وجود رقابة مالية مستقلة، وألا يرتبط الدعم بموقف الحزب من الحكومة أو يتحول إلى المصدر الوحيد لتمويله.