يتجاوز التصعيد بين إثيوبيا وإريتريا حدود الخلافات السياسية والاتهامات المتبادلة، مع تداخل التوترات الأمنية في إقليم تيغراي مع التنافس على النفوذ والوصول إلى البحر الأحمر، في أزمة تثير مخاوف من اندلاع مواجهة عسكرية تهدد استقرار القرن الأفريقي وأمن الملاحة الدولية.
وفي وقت يلجأ فيه الطرفان إلى مجلس الأمن لتثبيت مواقفهما وتحميل الطرف الآخر مسؤولية التصعيد، تبرز قضية ميناء عصب الإريتري باعتبارها إحدى أبرز نقاط الخلاف، وسط مخاوف من تحول المطالب الإثيوبية بمنفذ بحري إلى مواجهة تمس سيادة الدول وحدودها.
وقال السفير محمد حجازي مساعد وزير الخارجيه الأسبق ل”لقصه” إن خطورة الأزمة تكمن في احتمال انتقال الخلاف من التنافس السياسي والدبلوماسي إلى محاولة فرض وقائع جديدة بالقوة، محذرًا من تداعيات قد تمتد إلى دول القرن الأفريقي والبحر الأحمر، في منطقة ترتبط فيها المصالح الإقليمية بأمن التجارة الدولية والطاقة والملاحة البحرية.
مجلس الأمن ساحة لتبادل الاتهامات
قال السفير محمد حجازي إن لجوء إثيوبيا وإريتريا إلى مجلس الأمن يعكس انتقال الأزمة إلى مرحلة الصراع على الشرعية الدولية، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت روايته وكسب الدعم الدولي، إلى جانب تحميل الطرف الآخر مسؤولية أي تصعيد محتمل.
وأوضح أن هذه الخطوة لا تعني بالضرورة اتخاذ قرار بالحرب، لكنها قد تتحول إلى وسيلة للضغط السياسي والتمهيد لمواجهة محتملة إذا استمر التصعيد العسكري وتراجعت فرص التسوية.
تيغراي بؤرة التوتر الميداني
أكد السفير محمد حجازي أن إقليم تيغراي يمثل إحدى أبرز بؤر التوتر المباشر، في ظل تجدد القتال والاتهامات الإثيوبية لإريتريا بالتدخل ودعم جماعات مسلحة، وهي اتهامات تنفيها أسمرة.
وأشار إلى أن استمرار المواجهات وتبادل الاتهامات قد يزيدان احتمالات سوء التقدير، خصوصًا إذا تزامنت التحركات الدبلوماسية مع عمليات عسكرية على الأرض.
ميناء عصب يشعل صراع النفوذ
قال حجازي إن التنافس على البحر الأحمر يمثل البعد الاستراتيجي الأوسع للأزمة، إذ تسعى إثيوبيا، باعتبارها دولة حبيسة، إلى ضمان وصولها إلى المنافذ البحرية، بينما تنظر إريتريا إلى سيادتها على أراضيها وموانئها باعتبارها قضية أمن قومي.
وشدد على ضرورة التمييز بين حق إثيوبيا في البحث عن ترتيبات تجارية تضمن وصولها إلى البحر وفق القانون الدولي والاتفاقات، وبين استخدام القوة أو التهديد بها لفرض واقع جديد على أراضي دولة أخرى.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل المواجهة
أوضح السفير محمد حجازي أن الأزمة قد تتجه إلى ثلاثة مسارات، أولها احتواء التصعيد عبر الوساطة والضغوط الدولية، وثانيها استمرار الاشتباكات المحدودة والتحركات العسكرية المتقطعة، وثالثها اندلاع مواجهة مباشرة بين الجيشين.
وحذر من أن استمرار الاشتباكات المحدودة قد يؤدي إلى تصعيد تدريجي يصعب احتواؤه، بينما قد تمتد تداعيات الحرب المباشرة إلى دول الجوار، من خلال تدفقات اللاجئين واضطراب التجارة وتزايد التدخلات الإقليمية.
الاتحاد الأفريقي أمام اختبار الوساطة
أكد السفير محمد حجازي أن الاتحاد الأفريقي يمكن أن يؤدي دورًا محوريًا في احتواء الأزمة، من خلال إعادة فتح قنوات الحوار والاستفادة من خبرات الوساطة السابقة، وربط وقف الأعمال القتالية بمعالجة المخاوف الأمنية واحترام سيادة الدول.
وأشار إلى أهمية تحرك القوى الدولية والإقليمية لدعم التسوية السلمية، ومنع تحول البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى ساحة جديدة للصراعات وتنافس القوى الخارجية.
سيادة الدول مفتاح منع الحرب
شدد السفير محمد حجازي على أن منع المواجهة يتطلب خطوات عملية، تشمل وقف التحركات العسكرية، والقبول بآليات مستقلة للمراقبة، وإعادة فتح قنوات الاتصال، إلى جانب التوصل إلى تفاهمات تضمن المصالح المشروعة للطرفين.
وحذر من أن الأزمة تتجاوز الخلاف الإثيوبي الإريتري، في ظل تداعياتها المحتملة على استقرار القارة الأفريقية، مشيرًا إلى أن وجود 16 دولة أفريقية حبيسة يجعل مسألة الوصول إلى المنافذ البحرية قضية إقليمية أوسع، تستدعي حلولًا تحترم سيادة الدول وقدسية الحدود الأفريقية، وتمنع فتح الباب أمام صراعات جديدة تعرقل جهود التنمية.
وقال الدكتور جلالي جيتاتشيو بيرو، دكتور العلوم السياسيه والاقتصاد و الخبير الإقليمي في شؤون شرق أفريقيا بمنظمة ACLED المعنية ببيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة، ل”لقصه”إن سكان المدينتين شاهدوا القوات الإريترية، وتمكنوا من التعرف على جنودها من خلال الزي العسكري والمركبات ولوحات أرقامها.
أوضح الدكتور جلالي جيتاتشيو بيرو أن شهادات سكان أديغرات وإيداغا هاموس تستند إلى مشاهدات مباشرة، إذ تعرف الشهود على القوات الإريترية من خلال علاماتها الظاهرة، بما في ذلك الملابس العسكرية والمركبات ولوحات أرقامها.
تقارير إعلامية تدعم توثيق الشهادات
وأشار بيرو إلى إمكانية الرجوع إلى تقارير إعلامية أخرى أجرت مقابلات مع شهود العيان، من بينها تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) باللغة الأمهرية، وآخر لوكالة رويترز، للحصول على معلومات إضافية بشأن مشاهدات السكان.
وتأتي هذه الشهادات في وقت تتصاعد فيه التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، وسط مخاوف من تداعيات استمرار الخلافات الأمنية والعسكرية على استقرار المنطقة