صفحة إسرائيل الناطقة بالعربية خرجت تتباهى بانتصارها في حرب الأيام الستة على ثلاث دول عربية، ووصفته بانتصار باهر غيّر وجه الشرق الأوسط.
صحيح أن مصر ردّت اعتبارها العسكري في حرب أكتوبر، واستردت ما سُلب منها بدماء أبنائها وتضحياتهم، وتم محو عار الهزيمة بنصر مشرف.
لكن المؤسف أن تتحدث إسرائيل عن السلام، وأنها مدت أيديها بالسلام إلى كافة الدول العربية، وتشيد بتوقيع معاهدة السلام بينها وبين مصر والأردن، والاتفاقيات الإبراهيمية التي أُبرمت مع بعض الدول العربية، وأن استقرار المنطقة لا يتحقق سوى بالسلام معها.
لكن السؤال الذي يراودني: كيف وصل العرب إلى تلك الحالة من التردي والضعف، وذهبوا لإقامة علاقات مع عدو لا يكف عن العبث بالمنطقة، ويحتل الجولان والضفة الغربية، وحوّل قطاع غزة إلى أكوام من التراب، ويعتدي على دول ذات سيادة في لبنان وإيران والعراق وسوريا، ويهدد أمننا القومي في السودان والصومال بمساعدة الراعي الكبير، الولايات المتحدة الأمريكية؟
إلى متى سيظل أمننا القومي مستباحًا؟
وهل سنظل مكتوفي الأيدي طوال الوقت أمام ما يحدث في المنطقة؟
الولايات المتحدة غزت العراق وأفغانستان، وأربكت المنطقة بحربها ضد إيران، ويتحمل العالم أجمع تبعاتها مع إغلاق مضيق هرمز، وخطفت رئيس فنزويلا، وتهدد كوبا، ونصبت نفسها شرطي العالم، وتدعي أنها تحمي مواطنيها وأمنها القومي، برغم بُعد المسافات بينها وبين تلك الدول.
إسرائيل تمتلك أسلحة نووية، ولم تحترم يومًا أي قرارات أممية، وانتهكت كل القوانين والمعاهدات والأعراف الدولية، وخرقت كل المواثيق، فمن يحاسبها؟
لا أحد.
في الوقت ذاته الذي قامت فيه دول عربية بالتطبيع مع إسرائيل، وبضغوط أمريكية، وفي ظل انقسام عربي وحروب أهلية لمحاولة تفكيك تلك الدول، والمضي في إقامة تحالف عسكري في بربرة لتهديد قناة السويس، بل والمنطقة العربية برمتها.
فمتى نستفيق من تلك الغيبوبة؟ أم أننا أصبحنا شعوبًا تتحدث اللغة العربية فقط، وليس بيننا أي مشتركات أخرى؟
أتذكر ونحن في المرحلة الإعدادية كيف كانوا يتحدثون عن إقامة سوق عربية مشتركة، وتكامل عربي في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية والعسكرية كافة، ودعوة الرئيس السيسي إلى ضرورة وجود تحالف عسكري عربي (الناتو العربي).
فما حدث في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، واعتداء إيران على بعض الدول الخليجية، يجعلنا نفكر بشكل جدي فيما يجب علينا فعله إزاء التكامل العربي، لأن المستقبل يحمل كثيرًا من التحديات، وما زال الخطر قائمًا يعبث في المنطقة بأسرها، ولن يتوقف ما دمنا منشغلين داخليًا.
فعلى سبيل المثال، يمتد الأمن القومي المصري إلى ما وراء حدوده الجغرافية، فأمن السودان وليبيا وفلسطين والصومال وجيبوتي هو جزء من أمن مصر.
على القادة العرب أن يعيدوا حساباتهم الآن، فاستقرار السودان وضمان سلامة مؤسساته، وكذلك ليبيا، وحماية الصومال من الانقسام، واليمن والعراق وسوريا، هو أمن للمنطقة العربية في مواجهة هيمنة إسرائيل ومحاولات تخريب تلك البلدان.
لابد من تكامل العرب في كافة المجالات، وأن يتم بناء اقتصاد قوي ومنتج، وأن نتحرر من سياسة التبعية، وأن نصبح قوة اقتصادية وعسكرية، وأن نخرج من عنق زجاجة الشجب والإدانة والبيانات الهزلية، فالعالم يحترم الأقوياء.
نحن كعرب ماضينا عريق، وحاضرنا مرير، ومستقبلنا أشد مرارة، طالما ظلت الحسابات ضيقة.