أصدر فريق كايروكي، قبل أيام، ألبوم سوبر نوفا، والذي أعاد في طبيعته النوع الغنائي الذي عرف به الفريق المصري.
تم إصدار الألبوم كوحدة واحدهةمتراتبة، وكأنه فيلم متواصل بداية من النوستالجيا، حيث يتحدث بها عن مراحل عمر الفريق على مر 8 سنوات. حيث بدأ بسوبر نوفا والتي صرح عنها قائد الفريق “أمير عيد” بأن ليس لها معنى سوى أنها تعيد المستمع لما مضى.
وأوضح معناها عبر الاستعانة ببعض الفيديوهات التي تعود للماضي من أفلام وشكل القاهرة قديما. ما جعل هذا الكليب والأغاني ذات طابع دراماتيكي. حيث جعلوا الألبوم عبارة عن لقاء تلفزيوني مع المذيع المخضرم “محمود سعد”، والذي أضاف بطريقته في الحوار، العودة لما فات.
بينما كانت هناك عوامل من الحاضر، تعبر عن اللحظة الحالية، منها الملابس وتصفيفات الشعر، وبعض الملابس تضيف نفس المعنى الذي يروج له الألبوم. فبدأت أغنية نسينا وكأنها تصدر من داخل راديو قديم، وبدأت كلماتها بـ “فاكرة الزمان فاكرة المكان”. وأضيف لها مع موسيقى الجاز الإيقاعية التي تصاحب جملة “ونسينا ولا اتنسينا.. ولا بقينا نشبه سنين.. سنين قسيت علينا”، فيها من المعاني الكثير الذي يحرك المستمع لما كان يحدث في الماضي.
إنها ليست مجرد كلمات، بل سؤال ثقيل يسقط في بئر الروح: هل نحن من نسينا ما مضى، أم أن الحياة هي التي نسيتنا على قارعة الطريق؟ هل تغيّرنا حتى لم نعد نشبه أحلامنا القديمة، أم أن السنوات مرّت فوق ملامحنا كما تمر عجلات العربات فوق طريقٍ هش، فمحَت ما كان عليه؟.
وبعد انتهاء الأغنية يفصل بينها وبين ما بعدها شيء من الماضي الحزين. حيث يجلس شخص وهو الفنان الرائع “محمود عزب” داخل البلاتوه. يرد على هاتفه بأن الدكتور طمأنه بأنه سيكون بخير، لتبدأ الأغنية على هيئة ذكرى لطالب من الماضي، وهو يبعث برساله لحبيبته عن ذكرياتهم سويا.
وينهي كلماته بشكر الدكتور وأنه يحدثه حقيقيا، رافضا الاستمرار في وهمه بالمرض الذي بداخله. وأنه لا يرغب في تناول الدواء مرة أخرى. حيث يرى أنه لا طائل من تناول الدواء، وأن الشفاء سيأتي من داخله. ربما لا نتمرد على المرض لأننا شجعان، بل لأن الاعتراف به يعني الاعتراف بأن أجسادنا لم تعد تلك البيوت الحصينة التي ظنناها في الشباب. وأن الموت لم يعد فكرة فلسفية بعيدة، بل جارًا صار يلقي علينا التحية كل صباح.
يعود محمود سعد للظهور مرة أخرى لكن هذه المرة يوجه له الفريق سؤالا عن المرة الأولى التي خفق قلبه فيها. لنستمع لأغنية الحب الأول. ويصف حالة الحب التي شعر بها للمرة الأولى بينه وبين “بنت الجيران”. فتوقظ قصص الحب الصغيرة الكامنة في ذاكرة محمود عزب؛ تلك القصص التي بدأت منذ الطفولة، ثم ظلت مختبئة في تجاويف القلب، كرسائل قديمة اصفرّ ورقها، لكن عطر أصحابها لم يختفِ تماما.
وتتصاعد النغمات مرة أخرى من خلال الراديو، حيث يداعب بكلماته لحبيبته بتساؤلات عن الحنان والجنان، ويجاوب بكل براءه أنه فعل ما أرادته، ولكن عند سؤالها له “لماذا مُت؟”، يرد بأنه كان يسعى ليصل لقلبها لكن الموت أدركه أولا. ويضيف أنه ربما أحب الوحدة لأنها لا تسأله عن شيء، ولا تطلب منه شيء. لكنها، مثل البحر، يمنحك السكينة أولًا، ثم يُريك اتساعه المربك.
وتكمل على الوتيرة نفسها أغنية “أنا بكبر”: “حطيت نفسي في جزمة غيري.. بس لقيتني في نفس الجزمة.. ولقيتني بنفس القلب.. ولقيت العالم كله بيجري من نفس الكلب.. ولقيتني في بحر الخايفين.. تايه ووحيد.. مش عارف أراجع مع نفسي أنا مين.. خايف من بكرة، وخايف أتغير أنا بكبر”.
فكلنا نجري من كلب مجهول يطاردنا: الخوف من الفشل، والخوف من المرض، والخوف من الفقد، والخوف من أن نصل متأخرين، أو ألّا نصل أبدًا. نجري حتى ننسى أسماءنا، ثم نقف فجأة في منتصف العمر لنسأل: من ذلك الذي كان يركض كل هذه السنوات؟ وهل كان يجري نحو شيء، أم يهرب من شيء؟
أن تكبر لا يعني فقط أن يتغير وجهك في المرآة، بل أن تصبح المرآة نفسها أكثر قسوة. أن ترى بوضوح ما لم تعد تملكه، وما لم تعد قادرًا على تأجيله. وأن تدرك أن الغد لم يعد أرضًا بلا نهاية، بل طريقًا بدأ يكشف عن حافته البعيدة.
آخر أغنية في الألبوم “في الختام”، تصف حياتنا الآن: “وفي الختام.. معرفش الدنيا ساكتة ليه.. زي أما تدخل فيلم سيما.. وتخرج تلاقي الدنيا ليل رغم الزحام.. الصمت تام.. وأنا لسه سارح في النهاية.. ولسه عندي ميت سؤال”. هنا استطراد بالذكريات يعود لأيام كان يتمنى وجود أشخاص معه، وأنه في كل ليله يتسائل: “معرفش ليه لما بنام.. بحلم بفارس راكب حصان وبيبتسملي بسمة فيها أسى.. وكأني خاين أو جبان.. وافتكرت أول يوم في المدرسة.. أول فراق، أول وداع أول مرة قلبي اتأذى”.
ثم، في تصوير عبقري، تصف الأغنية أغلب أوضاع الشباب في يومنا هذا، حيث يصور نفسه في كلمات: “أنا شفت ضلي كان ماشي جنبي.. كان ضهره محني، وكأنه بيلمحلي.. إن الشوارع مش فكراني.. أو إني بقيت واحد تاني.. بقيت أقول كتير زمان”. وبرغم الحزن الذي يصوره في كلماته إلا أنه كان يتمنى أن يقول سلام لأكثر شخص مهم في حياته: “وفي الختام.. كان نفسي بس أقول سلام”.
لم تكن أغاني ألبوم “سوبر نوفا” موسيقى تمر على الأذن ثم ترحل، بل تهبط على المستمع كمشرط جرّاح، يشق طبقات الذاكرة واحدة بعد أخرى، ويفتح الأدراج التي أغلقتها السنون، وتقوم ببعثرة ما تخفية الأيام من أحلام الشباب التي تم تأجيلها أو نسيانها نهائيا.