كل شهر، يقتطع العامل جزءًا من أجره لصندوق لا يفكر فيه كثيرًا وهو في بداية حياته المهنية؛ سنوات تمر، والخصم يتكرر، حتى تتراكم تلك الجنيهات لتصبح ما يُفترض أن يحميه عندما يتوقف عن العمل. لكن عندما يصل موعد المعاش، لا يكون السؤال فقط: كم جنيهًا تراكمت أموال التأمينات؟ وإنما: ماذا بقي من قيمة هذه الجنيهات بعد سنوات من التضخم؟
على الورق، تبدو الأرقام ضخمة؛ أموال التأمينات التي بدأت بنحو 100 مليار جنيه في أواخر التسعينيات تجاوزت 436 مليار جنيه بحلول 2026. غير أن تضخم الرقم لا يعني بالضرورة تضخم القدرة الشرائية، فالعائد الذي يُحسب على الدفاتر قد يخسر معناه عندما ترتفع الأسعار بوتيرة أسرع منه.
هنا تبدأ قصة أموال المعاشات: من يديرها؟ أين استُثمرت؟ وما العائد الذي حققته فعلًا مقارنة بما فقدته النقود من قيمتها؟ وبين بنك الاستثمار القومي، وأذون وسندات الخزانة، ومحاولات الاستثمار في البورصة، تمتد حكاية طويلة عن «تحويشة العمر» التي لم يكن أصحابها ينظرون إليها كاستثمار، بقدر ما كانوا يرون فيها أمان سنواتهم الأخيرة
أرقام تتضخم.. وقيمة تتغير
تشير التقارير الرسمية المتتابعة إلى أن إجمالي أموال التأمينات والمعاشات النقدية الدفترية المودعة لدى بنك الاستثمار القومي بدأ من نحو 100 مليار جنيه في أواخر التسعينيات، ثم تصاعد تدريجيًا مع السنوات، حتى تجاوز 436 مليار جنيه بحلول عام 2026.
لكن الرقم الاسمي لا يقدم بمفرده صورة كاملة عن أداء الأموال، إذ يتغير معنى العائد عندما يوضع أمام معدلات التضخم التي تحدد القوة الشرائية الفعلية للنقود.
وتشير النشرات الرسمية إلى أن العائد الذي منحه بنك الاستثمار القومي لصالح صناديق التأمينات كان ثابتًا ومنخفضًا في فترات سابقة، إذ تراوح بين 4% و4.5%، قبل أن يرتفع لاحقًا إلى 8% و9% بموجب تعديلات لاحقة.
وهنا تظهر الفجوة بين العائد الاسمي والعائد الحقيقي؛ فالحصول على نسبة فائدة محددة لا يعني بالضرورة أن الأموال حافظت على قيمتها إذا كان ارتفاع الأسعار خلال الفترة نفسها أكبر من العائد.
السؤال ليس كم ربحت؟
«العائد الذي يبدو مرتفعًا لا يكفي إذا لم يحافظ على قيمة المعاش عند استحقاقه، مبينة أن القضية تبدأ من سؤال يسير: هل حققت أموال التأمينات عائدًا يحافظ على قيمتها، أم تحولت إلى مصدر تمويل طويل الأجل لاحتياجات مالية أخرى؟». بهذه الكلمات بدأ الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح حديثه مع «القصة»، موضحًا أن تقييم أداء أموال التأمينات لا يمكن أن يعتمد على نسبة العائد وحدها، وإنما يجب أن يقارن بين ما حققته الأموال بالفعل وبين معدل ارتفاع الأسعار خلال الفترة نفسها.
وأشار أبو الفتوح إلى أن سعر الإيداع لليلة واحدة بلغ 19% في 20 أغسطس 2026، بينما بلغ التضخم العام 14.5% في أغسطس 2026، موضحًا أن هذه الأرقام تصف البيئة النقدية، لكنها لا تثبت العائد الفعلي لمحفظة التأمينات.
وبحسب الخبير الاقتصادي، فإن القياس الصحيح يبدأ من مقارنة العائد الذي حققته الأموال بالفعل بمعدل ارتفاع الأسعار خلال الفترة نفسها، وليس الاكتفاء بالنظر إلى نسبة الفائدة المعلنة.
أموال اليوم.. التزام الغد
تزداد أهمية هذه المقارنة، بحسب أبو الفتوح، لأن أموال المعاشات مرتبطة بالتزام مستقبلي، وليس بعملية تمويل قصيرة تنتهي عند تاريخ محدد.
فإذا وضعت الأموال في أدوات ذات عائد اسمي مرتفع، لكن آجالها لا تتطابق مع مواعيد صرف المعاشات، فقد يبدو الاستثمار جيدًا على الورق، بينما تتراجع القدرة الشرائية للأموال عند الاستحقاق.
ولهذا يرى أبو الفتوح أن تقييم أي استثمار لأموال التأمينات يجب أن يظهر بوضوح تاريخ الاستحقاق، والعائد الفعلي، ودرجة السيولة، وتكلفة إعادة التمويل، والأجور التأمينية والتقييم الاكتواري.
وتشير البيانات المتاحة إلى وجود 13,631,982 مؤمنًا عليهم في 30 يونيو 2024، بينما بلغ متوسط معاش الشيخوخة والعجز والوفاة 4,098 جنيهًا في التاريخ نفسه.
ورغم أن هذه الأرقام ليست حديثة، فإن العلاقة بين الأجر التأميني والمعاش النهائي تظل مسألة مالية مباشرة؛ فكلما ابتعد الأجر المسجل عن الأجر الفعلي، اتسعت الفجوة بين الاشتراكات والحقوق المستقبلية.
ويحتاج التقييم الاكتواري، بحسب أبو الفتوح، إلى ربط الاشتراكات بتاريخ الأجر، وفترة السداد، ومعدل التضخم، والعائد الحقيقي المتوقع.
أين ذهبت فرص الاستثمار؟
تشمل البدائل الاستثمارية توزيع الأموال بين أدوات الدخل الثابت، والأصول القابلة للتداول، والاستثمارات العقارية، وفق حدود مخاطر معلنة.
لكن أبو الفتوح ينبه إلى أن البيانات المتاحة لا تتضمن عائدًا منشورًا للأسهم أو العقارات داخل محفظة أموال التأمينات، وبالتالي لا يمكن تحديد أي من هذه البدائل حقق أفضل نتيجة.
كما لا يمكن، بحسب الخبير، افتراض أن توجيه الأموال إلى أدوات حكومية يساوي تلقائيًا استثمارًا آمنًا؛ إذ يرتبط الأمان أيضًا بمدة الأداة، والسيولة، ومخاطر تركز الاستثمار.
ويشير أبو الفتوح إلى استثمار جزء من أموال التأمينات في أذون وسندات الخزانة، لكنه يرى أن البيانات المتاحة لا تكفي لمعرفة العائد المحقق أو تكلفة الفرصة البديلة.
ولتحديد ذلك، يلزم توفير رصيد استثماري متجدد، والتدفقات الداخلة والخارجة، والتوزيعات الفعلية، إلى جانب مؤشر مقارنة مناسب لكل فترة.
تكلفة لا تظهر في الدفاتر
بحسب أبو الفتوح، تُحسب تكلفة الفرصة البديلة من الفرق بين العائد الذي تحقق بالفعل والعائد الذي كان يمكن تحقيقه في محفظة متنوعة ذات آجال وسيولة ومخاطر معلنة، مع احتساب أثر التضخم.
ويختتم الخبير الاقتصادي بالإشارة إلى أن غياب هذه البيانات يمنع إصدار قيمة رقمية لتكلفة الفرصة البديلة، ويجعل الأولوية إنشاء كشف استثماري مستقل يمكن من خلاله قياس العائد الحقيقي وحقوق أصحاب المعاشات.
فالمشكلة، كما يوضح، ليست في اختيار أداة واحدة، وإنما في غياب قياس معلن يربط العائد الحقيقي بقيمة الالتزام عند موعد صرف المعاش.
التشابك.. أصل الحكاية
من زاوية أخرى، يرى الخبير الاقتصادي خالد الشافعي أن قصة إدارة أموال التأمينات لا يمكن فصلها عن التشابكات المالية التي نشأت على مدار عقود بين أموال التأمينات والخزانة العامة.
وأشار الشافعي إلى أن تأسيس بنك الاستثمار القومي بموجب القانون رقم 119 لسنة 1980 كان يهدف ظاهريًا إلى تركيز أموال التأمينات والمدخرات واستخدامها في تمويل الخطة الاقتصادية والاجتماعية للدولة.
إلا أنه يرى، دستوريًا واقتصاديًا، أن هذا المسار مثّل خروجًا خطيرًا عن الغرض الأساسي، لحرمان صناديق التأمينات من حريتها في إدارة محافظها الاستثمارية بطرق تجارية تحقق أقصى عائد حقيقي للمؤمن عليهم، وتحويلها إلى ممول إجباري ودائم لعجز الموازنة العامة.
وبحسب رؤية الشافعي، أدى ذلك إلى إفقار الصناديق وإلغاء استقلاليتها المالية المخصصة أصلًا لخدمة أصحاب المعاشات.
خلاف بين التلاوي وغالي
يوضح الشافعي في تصريحات خاصة لـ«القصة» أن محاولات التطوير اللاحقة في عهد الدكتور يوسف بطرس غالي لاستثمار جزء من أموال التأمينات في البورصة والأوراق المالية واجهت معارضة شديدة من السفيرة ميرفت التلاوي، وزيرة التأمينات والشؤون الاجتماعية السابقة.
وأشار إلى أن موقفها الرافض لتحويل أموال التأمينات أو دمجها بالكامل ضمن حسابات وزارة المالية دون ضمانات كافية، كان قائمًا على اعتبار أن فتح باب الاستثمار في أوراق مالية مرتفعة المخاطر أو دمج الأموال بالخزانة يمثل تضحية بأمان مستحقات أصحاب المعاشات لصالح معالجة ديون الدولة وعجزها، مع ضرورة توفير الحماية القصوى لتلك المدخرات.
ويرى الشافعي أن التوجيه الإجباري لأموال التأمينات نحو بنك الاستثمار القومي والخزانة العامة أدى إلى تكبد التأمينات خسائر استثمارية، مشيرًا إلى أن الفوائد الاسمية الممنوحة لتلك الأموال تراوحت بين 4.5% و7% سنويًا، وفي أفضل الأحوال بين 11% و13%، في مقابل معدلات تضخم تجاوزت 15% إلى 20% أو أكثر.
وبحسب تقديره، يعني ذلك أن «العائد الحقيقي» كان سالبًا وأدى إلى تآكل القوة الشرائية، في الوقت الذي استُغلت فيه الأموال لتمويل بنية تحتية بمئات المليارات دون عائد مباشر لأصحاب المعاشات.
ويشير الشافعي إلى أن الديون تجاوزت نحو 435 مليار جنيه قبل فض التشابكات، معتبرًا أن الأموال لم تكن تُسترد في صورة سيولة حقيقية، وإنما ظلت في صورة قيود دفترية.
فاتورة تمتد للأجيال
يختتم خالد الشافعي بالإشارة إلى أن هذا التشابك المالي التاريخي تسبب، من وجهة نظره، في شلل القدرة الذاتية لنظام التأمينات على تمويل نفسه، محولًا إياه إلى صندوق يعاني من عجز هيكلي حاد، وهو ما يجعل الأجيال الحالية والمستقبلية تتحمل التبعات الاقتصادية الثقيلة.
ويلفت الشافعي إلى الضغط المالي على الموازنة العامة بسبب قانون التأمينات والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، الذي ألزم الخزانة بسداد أقساط سنوية تبدأ بنحو 160.5 مليار جنيه وتتزايد بنسبة 5.7% لمدة 50 عامًا.
وبحسب الشافعي، يصل الإجمالي المخصص لتعويض التأمينات إلى ما يتجاوز 45 تريليون جنيه، وهي أموال ضخمة يؤكد أنها تُقتطع من موارد الدولة التي كان يمكن توجيهها إلى مجالات تنموية أخرى، كالتعليم والصحة، لولا تلك الديون التاريخية.
في النهاية، لا تكمن الإجابة عن مصير «تحويشة العمر» في معرفة حجم الأموال المسجلة فقط، وإنما في معرفة ما حققته هذه الأموال من عائد حقيقي، وكيف أُديرت، وما إذا كانت قيمة ما تراكم على مدار سنوات طويلة قد حافظت على قدرتها الشرائية حتى لحظة تحوّلها إلى معاش.