تتجسد في المشهد السوري الراهن منعطفات حرجة تعكس عمق الأزمات الهيكلية التي تعاني منها سلطة الأمر الواقع، وتكشف عن هشاشة البناء الإداري والسياسي والعسكري الذي أُقيم بمعزل عن تطلعات الشعب الحقيقية. فمؤخرًا، تصاعدت وتيرة الأحداث الميدانية والسياسية لتؤكد، بما لا يدع مجالًا للشك، حجم التصدعات البنيوية و«الخلافات الحادة» داخل صفوف هذه السلطة، لا سيما تلك التنظيمات المرتبطة بما يسمى الجيش السوري الراهن. ولم تكن هذه التطورات مجرد عوارض عابرة لنزاعات نفوذ تقليدية، بل جاءت تعبيرًا صارخًا عن «أزمة مشروع سياسي» متكامل أثبت عجزه وفشله في إدارة الدولة وبسط سيطرته.
الخلافات وتفكك التحالفات العسكرية
شهد الأسبوع الأول من أغسطس/آب 2026 تطورات عسكرية لافتة تمثلت في اندلاع اشتباكات ضارية ومواجهات مسلحة حادة بين تشكيلات تابعة لسلطة الأمر الواقع، ومنها الفرقة 62 بقيادة «أبو عمشة». وأُعلنت حالة الاستنفار الداخلي مع تمرد لفرق كاملة. وجاءت هذه المواجهات تتويجًا لمسار طويل من «الاحتقان الخفي» والصراع على مراكز النفوذ، والموارد الاقتصادية، والقرار الأمني والعسكري.
وتعكس هذه الاشتباكات دلالات عميقة تتجاوز البعد الميداني الضيق، من بينها غياب مشروع موحد؛ إذ أثبتت التطورات أن التحالفات التي قامت عليها سلطة الأمر الواقع هي تحالفات مصلحية هشة، قائمة على «تقاسم الغنائم» لا على رؤية جامعة لإدارة الشأن العام.
إن بروز صراعات مسلحة بهذا الحجم والحدة يشير إلى تآكل قدرة القيادة المركزية على ضبط الفصائل وتحقيق الانضباط العسكري، مما ينذر بمزيد من «الفوضى» وتفتت منظومة الأمن الداخلي لهذه السلطة. كما تدفع هذه الصراعات البينية فاتورتها الباهظة من أمن وسلامة المواطن السوري، وتعمق حالة عدم اليقين، وتؤكد أن هذه السلطة أصبحت مصدرًا رئيسيًا للتهديد والأزمات، وهو ما يدحض الادعاءات بأنها قادرة على بناء دولة المؤسسات.
تفريغ الدولة والمخطط الهجين
إن ما يجري اليوم داخل هذه الصفوف يعيد إلى الأذهان الطبيعة الإلغائية والإقصائية لهذه التشكيلات التي جاءت بـ«مخطط هجين» ومشبوه يعادي المصالح العليا للدولة السورية ويقوض مقومات بقائها. كما تتكشف الأبعاد الاستراتيجية الأعمق التي تحذر منها دومًا الرؤى التحليلية حول عمليات تفتيت البنيان المؤسسي و«تفريغ الدولة» من محتواها الوطني.
وفي ظل هذا المخاض العسير والتدهور المتسارع، لم يقف الشعب السوري مكتوف الأيدي أمام محاولات «اختطاف القرار الوطني» ومصادرة مقدرات البلاد. فقد تبلورت خلال الفترة الأخيرة تحركات شعبية وطنية واسعة النطاق تعبر بصدق عن نبض الشارع السوري الرافض لكل أشكال الوصاية والهيمنة التي تفرضها سلطة الأمر الواقع.
ويدرك أبناء الوطن السوري أن المخططات التي جُلبت بها هذه السلطة تهدف، في المقام الأول، إلى ضرب النسيج الاجتماعي، و«إضعاف مؤسسات الدولة»، وشرذمة «الجغرافيا السورية» لصالح أجندات إقليمية ودولية لا تتبنى سوى مصالحها الضيقة.
الهوية السورية والمشروع المعادي
لم تقتصر الاحتجاجات على المطالب المعيشية فحسب، بل ارتفع سقفها لتطالب بإسقاط سلطة الأمر الواقع التي أثبتت عجزها وفشلها الأخلاقي والسياسي. وتتكامل هذه الحركات الشعبية مع القناعة الراسخة لدى النخب الوطنية بأن مواجهة هذا «المشروع المعادي» أصبحت واجبًا مقدسًا لا يحتمل التأجيل.
إن تحركات السوريين وتشكيلهم جماعات ولجانًا وجبهاتٍ تعكس يقينًا راسخًا بأن هذه السلطة لا تمثل «الهوية السورية» العريقة، وأن محاولات تدجين المجتمع وتمرير سياسات الأمر الواقع بالقمع والترهيب قد وصلت إلى «طريق مسدود».
إن اللحظة التاريخية الدقيقة التي تمر بها سورية تفرض استحقاقات كبرى، لعل أبرزها إدراك أن «إنقاذ الدولة السورية» يجب أن يأتي من أبنائها المخلصين الذين لم يتلوثوا بولاءات خارجية، ولم يتورطوا في «دماء السوريين» أو تدمير مؤسساتهم.
إن «استعادة الدولة» ليست شعارًا عاطفيًا، بل هي مسار استراتيجي متكامل يتطلب توحيد الصف الوطني، وتجميع طاقات القوى الوطنية الحية، والنخب الأكاديمية، والكوادر العسكرية الشريفة، والفعاليات الشعبية في «جبهة وطنية واحدة» تهدف إلى إسقاط مشروع الأمر الواقع، وبناء البديل الوطني الديمقراطي المؤسسي، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، والعمل على تفكيك «منظومة الميليشيات» والمجموعات المسلحة التي أنهكت البلاد، وإعادة بناء «الجيش العربي السوري» الوطني ليحمي الحدود ويصون السيادة، إلى جانب تطهير مؤسسات الإدارة العامة ووضع الكفاءات في مواقعها الصحيحة.
أجندات الخارج وركام الحروب
إن التصدعات الحالية داخل صفوف سلطة الأمر الواقع، والرفض الشعبي المتصاعد، يمثلان فرصة تاريخية سانحة لا ينبغي تفويتها؛ إذ يجب استثمار هذا الضعف والتخبط لإنجاز «التغيير المنشود» وبناء سورية المتجددة القوية القادرة على النهوض من بين «ركام الحروب».
إن الأحداث المتلاحقة والاشتباكات الأخيرة داخل صفوف سلطة الأمر الواقع، بالتوازي مع المد الشعبي الوطني المتصاعد، تؤكد أن عمر هذه السلطة قصير، وأن منطق القوة والإقصاء وتنفيذ «أجندات الخارج» مآله الزوال حتمًا. فالتاريخ علَّم درسًا بليغًا مفاده أن «الشعوب الحية» قادرة دائمًا على كنس المشاريع المعادية مهما بلغت تعقيداتها. وسيبقى الأمل معقودًا على سواعد أبناء الوطن المخلصين لاستعادة «الدولة السورية»، وصياغة مستقبل يليق بتضحيات شعبها وعراقة تاريخها.