تحت شمس صعيد مصر الحارقة، وفي تمام الواحدة ظهرًا، وعلى رصيف محطة “نجع حمادي”، أحد مراكز محافظة قنا في جنوب الصعيد، وبالتحديد على رصيف انتظار قطارات الوجه البحري، يقف الركاب في انتظار ثقيل، بينما لا تتوقف الحركة داخل المحطة.
إعلانات عبر مكبرات الصوت عن قطارات متجهة إلى الوجه البحري وأخرى إلى الوجه القبلي، حتى تم النداء عن قطار 983 أسوان – القاهرة.
صفير حاد يشق سكون المحطة، ودخول سريع للقطار يهز القضبان، ثم يهدأ تدريجيًا حتى يستقر، ليبدأ مشهد جديد من نزول وصعود الركاب والبائعين.
حقائب وأمتعة تُسحب وأخرى تُحمل، ومع الخطوة الأولى داخل عربات القطار يصفعك هواء التكييف، لتجد نفسك بين مقاعد متراصة، تجلس عليها وجوه تحمل تعب الرحلة وأخرى تستعد للوصول. أطفال يبكون، رجال ونساء يتهيأون ليوم طويل، وآخرون نائمون، وبائعون يتزاحمون، ومتسولون يشقون طريقهم بين العربات، ومع كل محطة، يتكرر المشهد ذاته: صعود وهبوط، ويبتلع القطار المزيد من الركاب.
أصوات تختلط وخطوات تتسارع، وبين هذا الزحام، وبالقرب من محطة سوهاج، يشق صوت طفولي عربات القطار: “شاي.. شاي.. شاي”، ليظهر جسد نحيل يحمل على كتفيه إبريقًا كبيرًا، يتحكم فيه ببراعة ويسكب الشاي للركاب بمهارة.
يطلب منه “محرر القصة” كوب شاي مقابل 10 جنيهات، وخلال تحضيره، وبعد سؤاله عن عدد ملاعق السكر، يبدأ معه حوار يبدو أنه لا يحبذه ولا يفهم غرضه.
“اسمك إيه؟”
“اسمي عز”
“في سنة كام؟”
“في تانية إعدادي”
“وبتشتغل هنا؟”
يجيب بضجر: “أنا وأبويا.. هو بيلف شوية وأنا شوية، المدرسة بروح بس مش دايمًا علشان بساعد أبويا هنا”
يجيب على الأسئلة بسرعة، وكأنه يخشى ضياع الوقت، وعيناه تراقبان بحذر كل حركة حوله، ويشد بقبضته الصغيرة على مجموعة من العملات الورقية، ثم يرفع صوته مجددًا: “شاي.. شاي”، ويختفي بين العربات، وكأن الحوار لم يكن.
سوق مفتوح وعمل بلا أمان وعمالة هشة
لم يكن “عز” استثناءً في هذا المشهد، ولم يكن الطفل الوحيد الذي يعمل بين عربات القطار بلا حماية أو حقوق واضحة، فداخل كل عربة، وفي كل قطار، تتكرر الحكاية بأوجه مختلفة: أطفال يحملون علب المناديل، وسيدات ورجال يتنقلون بخطوات سريعة يعرضون منتجات وإكسسوارات يدوية، ومستلزمات منزلية بسيطة، وحلوى محلية الصنع، وتسالي، وأشياء صغيرة يواجهون بها شبح البطالة.
وجوه مرهقة، وأصوات تبيع وتساوم، في مساحة لا تعترف بعقود عمل أو مظلة أمان أو راتب يومي، فداخل القطار يتحول البيع إلى وسيلة للبقاء، ويتحول الركاب إلى زبائن لحظيين داخل سوق لا يعرف أي ضمانات.
ومع اقتراب القطار من الجيزة، تزداد أصوات البائعين ارتفاعًا، وتصبح الوجوه أكثر استعجالًا. وخلال الرحلة، لا تمر حركة البيع دائمًا في هدوء؛ فبين لحظة وأخرى يتبدل المشهد مع ظهور أحد موظفي القطار، ملوحًا بالغرامة أو إنزال البائعين في أقرب محطة.
فجأة يتصاعد النداء: “الكمسري جاي”، فتتحول العربة إلى ساحة مطاردة صامتة، بائعون يقفزون بين العربات، وبعضهم يختفي داخل الحمامات أو قرب الأبواب، وآخرون يتوسلون بأنها “آخر مرة”. وكأنهم يخوضون لعبة يومية يعرفون قواعدها جيدًا.
وبمجرد وصول القطار إلى محطة رمسيس، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ جولة جديدة. خطوات قليلة تقودني إلى داخل المترو، وإن كان القطار يكشف جانبًا من اقتصاد الظل، فإن المترو يعرضه في صورته الأكثر كثافة.
فداخل عرباته يتحول البيع الجائل إلى ظاهرة يومية تتسع رقعتها عبر الخطوط والمحطات، وتتداخل تفاصيلها في غياب أي إطار ينظمها أو قانون يحمي العاملين فيها.
وأثناء انتظار المترو، يقف العديد من الباعة الجائلين على أطراف الرصيف، وأمام العربات المخصصة للسيدات، تقف فتيات يترقبن وصول القطار كفرصة جديدة للرزق.
تحدث “محرر القصة” مع إحداهن، “منى” (اسم مستعار)، إذ فضّلت عدم ذكر اسمها الحقيقي، كانت تحمل في يدها مجموعة من الإكسسوارات، وتبدو عليها ملامح تعب اليوم.
قالت إنها خريجة معهد فني صحي، ولا تمتلك هذه البضائع، بل تبيعها مقابل نسبة يومية. لم يستغرق الحوار دقائق، حتى وصل المترو وأنهى الحديث، ليبدأ مشهد جديد في رحلة قصيرة زمنًا، لكنها مليئة بالتفاصيل.
داخل العربة، يتحرك الباعة الجائلون بخفة لافتة، وتتجول أعينهم سريعًا بين الوجوه بحثًا عن مشترٍ، تتدلى بضائعهم من أيديهم، أو تُعلّق داخل العربة، أو تتكدس في حقائب صغيرة على الأكتاف.
تتنوع أصواتهم بين نداءات خافتة وأخرى أكثر جرأة، تحمل إيقاعًا اعتاده الركاب، بينما تختلط على وجوههم ملامح الإصرار والتعب، في مشهد يكشف عن رحلة يومية غير آمنة مقابل جنيهات معدودة.
وإن انتهت الرحلة، فالحكايات لا تنتهي، عالم كامل يتحرك في الظل، يبيع ليعيش، ويخاطر ليبقى، دون أن يلتفت إليه أحد.
وجوه تمر، وأصوات تختفي، وأخرى تولد مع كل محطة، بينما يظل هذا العالم الموازي مستمرًا في الكدح والحركة بلا توقف، وبلا اعتراف حقيقي أو حماية واضحة.
فكم من “عز” آخر ينتظر دوره بين العربات بدلًا من مقعد في فصل دراسي؟
وإلى متى سيظل هذا الرزق المؤقت هو الخيار الوحيد في غياب بديل أكثر أمانًا وإنصافًا؟
