أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

“صباح الخير” التي تُقابل بالشتائم.. حياة موظفي الكول سنتر

أرشيفية

في السابعة صباحًا بتوقيت القاهرة، تبدو قاعة العمل الواسعة كخلية نحل صامتة قبل الانفجار، صفوف طويلة من المكاتب المتلاصقة، تفصل بينها ألواح زجاجية ضيقة، وأمام كل مقعد شاشة مضيئة وسماعة تنتظر أن تحمل، بينما يختلط هواء التكييف البارد برائحة الأجهزة التي لم تهدأ منذ الليلة السابقة، لتتشكل بيئة مشبعة بالتوتر قبل أن تبدأ أول مكالمة.

صدمة المكالمة الأولى 

في هذا المشهد، تجلس علياء، القادمة من صعيد مصر بشهادة كلية الألسن، محاولةً أن تعيد تشكيل نفسها بالكامل لتناسب هذه الوظيفة؛ لهجة قاهرية مصطنعة تدربت عليها لأشهر، ونبرة محسوبة بدقة، وسماعة ثقيلة تضغط على أذنها كأنها تذكير دائم بطبيعة هذا العمل. مع أول اتصال، تخرج الكلمات كما ينبغي: “صباح الخير يا فندم”، لكن الرد يأتي قاسيًا ومباشرًا: “وهيجي من فين الخير أنتم بتسرقوا الباقة كل يوم؟”. تحاول علياء الالتزام بما تعلمته؛ امتصاص الغضب، الحفاظ على الهدوء، التمسك بالنص، إلا أن المكالمة تنزلق سريعًا من شكوى عادية إلى سيل من الشتائم والسباب، قبل أن تصل إلى ألفاظ جنسية فجة تطال الأم والأب.

تصف علياء تلك اللحظة بأنها صادمة إلى حد شعورها بأنها لا تعمل داخل شركة محترمة، بل في مساحة منفلتة بلا قواعد، أنهت المكالمة، لكنها لم تتمكن من إنهاء أثرها؛ توجهت إلى مديرها في حالة انهيار، لتجد ردًا باردًا يختزل فلسفة المكان: “ناس تعبانة في دماغها.. هنوقف اليوم علشان مكالمة؟ امسحي دموعك وكملي”. لم تكمل، خرجت، وكتبت استقالتها بيد مرتعشة، واتخذت قرارًا نهائيًا بعدم العودة إلى مجال، كما تصفه، يتعامل مع الإنسان كآلة لا ككائن له حدود نفسية.

أخبار ذات صلة

أرشيفية
“صباح الخير” التي تُقابل بالشتائم.. حياة موظفي الكول سنتر
محمد نور
في انتظار مبادرات "إطفاء الحرائق"
السيد حسن
لبحث تطوير الأداء.. اجتماع لأمين الصندوق المساعد بنقابة المهندسين مع مديري الإدارات

التارجت قبل الموظف

لا تبدو قصة علياء استثناءً بقدر ما هي مدخل إلى واقع يتكرر يوميًا داخل مئات القاعات المشابهة. خلف كل سماعة، هناك معركة صامتة بين ضبط النفس وضرورات البقاء. حسين، رجل في الأربعين من عمره، يلخص القاعدة الحاكمة للعمل في جملة واحدة: “بنتشتم ونسكت”، موضحًا أن أقصى ما يملكه الموظف هو تحذير العميل ثلاث مرات قبل إنهاء المكالمة، بينما تظل بقية الإهانات جزءًا من يوم العمل المعتاد. المفارقة الأكثر قسوة، كما يروي، أن الشتائم كثيرًا ما تأتي من أشخاص في عمر أبنائه، ومع ذلك يلتزم بالهدوء، لأن أي انفعال قد ينعكس مباشرة على تقييمه، ومن ثم على “التارجت”، وهو الراتب الذي “فاتح منه بيت”. المعادلة هنا واضحة، كرامة مؤجلة مقابل استقرار مؤقت.

مكالمة واحدة يمكن أن تكون النهاية

لا يتخلف حال خريج الإعلام كثيرا، يصف أحمد محمد، خريج كلية الإعلام الذي يعمل في هذا المجال منذ عامين، بيئة الكول سنتر بأنها “غير آمنة” على المستويين النفسي والجسدي، مشيرًا إلى أن الموظف يعمل تحت ضغط مزدوج؛ من العملاء الذين قد يتجاوزون كل الخطوط، ومن الإدارة التي لا ترى سوى الأرقام و”التارجت”.

“مكالمة واحدة قد تكون كافية لإنهاء مسيرته داخل الشركة إذا فقد أعصابه ورد، حتى لو كان ذلك رد فعل طبيعيًا”. وبينما يطلب منه الحفاظ على هدوء دائم، يتراكم الضغط في شكل أعراض جسدية واضحة: صداع مستمر، آلام في الأذن، وإرهاق لا ينتهي. في نظره، لا يحتاج هذا العمل إلى مهارات خارقة بقدر ما يحتاج إلى قدرة غير إنسانية على التحمل، ولذلك يختصره بجملة لافتة: “الشغلانة دي محتاجة آلة مش بني آدم”، مؤكدًا أنه ينتظر أول فرصة مناسبة لمغادرتها دون رجعة.

هذا الضغط اليومي يتجسد بوضوح في نوعية محددة من العملاء، تصفها سارة، خريجة كلية الآداب، بـ”العميل النكدي”، وهو نموذج متكرر تبدأ معه المكالمة بتحية عادية وتنتهي بمواجهة مفتوحة.

“صباح الخير” لم تعد خيرا

“صباح الخير” تقابلها إجابة ساخرة: “هيجي من فين الخير؟”، ومحاولة التهدئة تقابل بتصعيد: “لو المشكلة بسيطة كنت هكلمك ليه؟”، قبل أن تتدفق سلسلة من الاتهامات والشتائم التي لا تقتصر على الشركة بل تمتد إلى الموظف نفسه. تؤكد سارة أن هذا النوع من المكالمات يتكرر بشكل يومي، وأنه كثيرًا ما يدفعها إلى البكاء والتفكير في الاستقالة، إلا أن حسابات الواقع تفرض نفسها؛ راتب تعتبره مناسبًا لوظيفة لا تتطلب خبرات إضافية، وصورة اجتماعية أفضل من بدائل أخرى. بين الرغبة في الرحيل والاحتياج إلى الاستمرار، تبقى عالقة في المنتصف.

الجسد يدفع الثمن ولا حياة لمن تنادي

غير أن ما لا يظهر في المكالمات هو الأثر الجسدي التراكمي لهذا العمل، فخلف نبرة الهدوء المطلوبة، هناك أجساد تدفع ثمنًا يوميًا، خاصة الأذن التي تتحمل ساعات طويلة من الاستخدام المتواصل للسماعات. علا، 26 عامًا، تصف تجربتها بعد انتهاء كل شيفت بقولها إن أذنها “تصدر صفيرًا مستمرًا كأنها خرجت من حفلة صاخبة”، وهو صوت لا يتوقف حتى أثناء النوم. تضيف أن طبيعة العمل في بعض الشركات تفرض استخدام سماعات يتناوب عليها أكثر من موظف، مع فترات راحة غير كافية، ما يزيد من الضغط على الأذن، بعد ثمانية أشهر فقط، تحولت إلى زبونة دائمة لدى طبيب الأنف والأذن، الذي شخص حالتها بـ”طنين مزمن والتهاب في الأذن الخارجية”. حاولت الاستمرار رغم الألم، لمدة تجاوزت العام، لكنها في النهاية اختارت الاستقالة، ليس بحثًا عن فرصة أفضل، بل خوفًا من فقدان سمعها بالكامل بسبب وظيفة بدأت كحل مؤقت وانتهت كخطر دائم.

قانون على الورق وواقع مثقل بالضغط

على الورق، تبدو بيئة العمل في الكول سنتر منظمة بإطار قانوني واضح، يحدد ساعات العمل بثماني ساعات يوميًا كحد أقصى، مع فترات راحة إلزامية، إلى جانب التزام الشركات بتوفير وسائل السلامة والصحة المهنية. وتنص المادة “208” من قانون العمل رقم 12 لسنة 2003 على ضرورة حماية العامل من المخاطر الفيزيائية داخل بيئة العمل، وعلى رأسها الضوضاء، بما يلزم المنشآت بتوفير وسائل وقاية تقلل من الأضرار الصحية المهنية.

لكن شهادات العاملين ترسم صورة مختلفة، حيث تتحول هذه النصوص إلى التزام نظري في ظل ضغط المكالمات اليومية وعدد الاتصالات المرتفع، الذي قد يتجاوز 200 إلى 250 مكالمة في اليوم، مع استخدام متواصل للسماعات وفترات راحة غير كافية.

وتوضح المحامية ريهام طه، أن الالتزام القانوني لا يقتصر على عدد ساعات العمل فقط، بل يشمل أيضًا جودة بيئة العمل، وعلى رأسها السماعات المستخدمة، التي يجب أن تتوافق مع معايير السلامة المهنية لتجنب مخاطر ضعف السمع أو الصمم المهني.

وتضيف أن العامل يملك الحق القانوني في اللجوء إلى القضاء حال ثبوت الإهمال، مع إمكانية الحصول على تعويض وعلاج على نفقة التأمين في حال حدوث ضرر صحي أو عجز مهني.

في الواقع العملي، تتكرر الشكاوى من غياب الالتزام بفترات الراحة الكافية، واستخدام سماعات بشكل غير منظم، في بيئة عمل تعتمد على الأداء الرقمي المستمر دون توقف فعلي.

هذه الضغوط بدأت تظهر طبيًا بشكل واضح، ويؤكد الدكتور محمد نصر استشاري الأنف والأذن، الأن نسبة متزايدة من العاملين في هذا المجال يعانون من بحة الصوت وطنين الأذن وضعف السمع التدريجي. ويوضح أن الاستخدام الآمن للسماعات يجب ألا يتجاوز 4 إلى 6 ساعات يوميًا بشكل متقطع، بينما الواقع يعتمد على استخدام شبه مستمر.

محمد نصر

ويشير إلى أن التوصيات الطبية تفرض فترات راحة بعد كل 40 إلى 50 دقيقة من الاستخدام المتواصل، إضافة إلى فحوصات دورية كل 3 إلى 6 أشهر لرصد أي تدهور مبكر في السمع أو الأحبال الصوتية، وهو ما لا يتم الالتزام به في كثير من الحالات.

وفي البعد النفسي، يوضح الدكتور جمال فرويز أن هذا النمط من العمل يفرض ضغطًا عصبيًا مستمرًا على الموظف نتيجة الصراع بين الانفعال البشري الطبيعي وبين الالتزام الصارم بكبح أي رد فعل، ويؤكد أن التكرار اليومي للإهانة مع عدم القدرة على الرد يخلق حالة من الاستنزاف النفسي المزمن، تبدأ بالتوتر والقلق وقد تمتد إلى عزلة اجتماعية واضطرابات في النوم وفقدان القدرة على التفريغ الانفعالي الطبيعي.

الدكتور جمال فرويز

خلف السماعة.. حدود مكسورة وواقع مسكوت عنه

داخل غرف الكول سنتر، لا تتوقف المعاناة عند ضغط العمل أو الإرهاق الجسدي، بل تمتد إلى شكل أكثر حساسية يتعلق بطبيعة التواصل مع العملاء، حيث تتكرر في كثير من الحالات تجاوزات لفظية تتجاوز إطار الخدمة، وتصل إلى مساحات شخصية مباشرة، خصوصًا تجاه الموظفات.

إسراء، التي عملت في إحدى شركات الاتصالات، توضح أن بعض المكالمات كانت تتحول من استفسار خدمي إلى تعليقات على الصوت أو الشكل أو الحياة الشخصية، رغم الالتزام الكامل بمعايير العمل. وتروي أن مكالمة واحدة انتهت بتجاوز لفظي مباشر وشتائم بعد رد فعلها، ما دفعها إلى ترك العمل بشكل نهائي، رغم التزامها المهني الكامل طوال فترة عملها.

وفي تجربة مشابهة، تشير رضوى، التي تعمل من المنزل ضمن نظام العمل عن بُعد، إلى أن المضايقات لم تتوقف رغم اختلاف بيئة العمل، حيث واجهت طلبات متكررة للحصول على بيانات شخصية، وتعليقات غير مهنية على صوتها، ومقارنات جارحة داخل المكالمات.

وتؤكد أن سياسات الشركات غالبًا ما تلزم الموظف بعدم إنهاء المكالمة إلا بعد 3 محاولات تحذير، حتى في حالات التجاوز، ما يضعه في مواجهة مباشرة مع ضغط نفسي مستمر دون حماية حقيقية.

وتتسق هذه الشهادات مع ما تشير إليه تقارير أممية حول انتشار العنف اللفظي والتحرش ضد النساء في مصر، بما يعكس أن ما يحدث داخل المكالمات ليس حالة منفصلة، بل امتداد لسلوكيات مجتمعية أوسع تنتقل إلى بيئة العمل.

وتوضح استشاري الطب النفسي بسمة سليم، أن الأثر النفسي لهذه التجارب يتجاوز لحظة المكالمة، ليأخذ شكل إجهاد نفسي متكرر قد يصل إلى أعراض شبيهة باضطراب ما بعد الصدمة، تشمل القلق، اضطرابات النوم، فقدان الإحساس بالأمان، وفرط الحساسية تجاه المواقف اليومية، وتضيف أن التكرار المستمر لهذه الضغوط قد يؤدي إلى إما تبلد عاطفي أو فرط استجابة انفعالية.

بسمة سليم

وتشير إلى أن خطورة هذه البيئة تكمن في كونها بيئة عمل يفترض أنها آمنة ومهنية، لكنها في الواقع تضع العامل في حالة دفاع نفسي مستمر، وتؤثر على صورته الذاتية على المدى الطويل.

ورغم ذلك، تظل القاعدة التشغيلية في كثير من الشركات قائمة على أولوية رضا العميل، حتى في حالات التجاوز، مع الاكتفاء بإجراءات محدودة لا تتجاوز التحذير أو إنهاء المكالمة، دون منظومة حماية نفسية أو مهنية كافية للعاملين.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

قانون صلاحيات الحرب
قانون صلاحيات الحرب وتأثيره على ترامب.. خبير: يقيد القرار العسكري في واشنطن
Doc-P-785987-638575396472790861
حافة الهاوية.. كيف تدير واشنطن دعم أمن إسرائيل دون الانزلاق لحرب شاملة؟
إحدى الأمهات الغزاويات مع صغيرها
صرخات من بطون خاوية.. شهادات موجعة من أطفال غزة
مشغولات ذهبية
أسعار الذهب اليوم في مصر.. عيار 21 يسجل 6960 جنيهًا

أقرأ أيضًا

IMG-20260414-WA0020
الأحد المقبل.. انطلاق مهرجان الشروق العاشر لإبداعات طلاب الإعلام
الحرب الإيرانية–الأميركية
الحرب الإيرانية–الأميركية.. هل حطمت صورة أمريكا التي لا تقهر؟
كعك العيد
بسبب ارتفاع الأسعار.. كعك العيد بين فاتورة مؤلمة وفرحة مبتورة
أناس يتجمعون حول المساجد
أمام المستودعات من الفجر.. أزمة الأنابيب تشعل غضب المواطنين