إلى أبناء مصر والأمة العربية:
تحتفل مصر كلها هذه الأيام بذكرى حرب أكتوبر 1973، التي تعتبر نقطة تحول استراتيجية وعسكرية في التاريخ الحديث؛ فقد أسقطت نظريات سادت لسنوات عن التفوق العسكري الإسرائيلي، وأعادت تشكيل التوازنات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط بأسره.
ومن ثم، فإن هذه الحرب يمكن النظر إليها من أكثر من زاوية، كل منها تبرز حقيقة ما حدث في صبيحة السادس من أكتوبر. فمع انطلاق الطائرات وانفتاح فوهات المدافع، بدأت بشائر سقوط نظرية الجيش الذي لا يُقهر، حين اقتحم جيش مصر الباسل خط بارليف، الذي اعتقدته إسرائيل حصنًا منيعًا. وعلى إثر ذلك، بدا أن التفوق التكنولوجي يمكن الإتيان عليه وتجنّبه بالتخطيط المحكم والإدارة الاستراتيجية السليمة.
وتجلّى الفعل العسكري المصري في التكامل بين الأسلحة المختلفة والتنسيق العسكري بينها، إذ لم يعد بمقدور الطرف الآخر اختراق المجال الجوي المصري، نظرًا لما وفّره الدفاع الجوي من مظلة حماية لمصر بأسرها. وربما كان من أهم عوامل النصر في هذا اليوم خطة الخداع الاستراتيجي، التي أمكن بفضلها إخفاء موعد الهجوم حتى لحظة الصفر، مما أفقد الطرف الآخر قدرته على الاستجابة السريعة وتفعيل التعبئة العامة في الوقت المناسب.
وعلى صعيد آخر، كانت الجهود السياسية والدبلوماسية تلعب دورها في تحقيق النصر في هذا اليوم. وآية ذلك أن الوحدة العربية والتحالف العربي بأسره استطاع توظيف بعض مقدراته، ومنها سلاح النفط. فقد شكّل قرار حظر تصدير النفط واستخدام سلاح الطاقة ضغطًا اقتصاديًا وسياسيًا غير مسبوق على الدول الداعمة لإسرائيل، مما أثبت قوة التضامن العربي، وهو ما بدا جليًا وبوضوح في تكامل العمل العسكري مع الفعل الاقتصادي.
ولا يخفى علينا أن تجربة الحرب في حد ذاتها، في ذلك الوقت، أثبتت للعالم بأسره فاعلية الرأي والقرار المصري، وأن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة، مما أدى إلى فتح ملف السلام والمفاوضات التي أدت لاحقًا إلى استعادة سيناء بكاملها. الأمر الذي أدى بالتالي إلى إنهاء حالة اللاسلم واللاحرب التي سادت قبل الحرب.
لقد أثبت الجندي المصري وجيش مصر بأسره قدرته العالية على التخطيط واستخدام التكنولوجيا الحديثة، وتشغيل الأسلحة المعقدة عندما توافرت له العقيدة القتالية القوية والإعداد السليم. ومن ثم، أزالت حرب السادس من أكتوبر 1973 آثار صدمة 1967، مما أعاد الثقة للعسكرية العربية في قدرتها على المواجهة وتحقيق النصر.
والذي لا شك فيه أن حرب السادس من أكتوبر 1973 كانت زلزالًا جيوسياسيًا أدى إلى إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية والعالمية، وإنهاء أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، واستعادة الإرادة والمبادرة العربية، واعتماد الجندي الميداني كعنصر حاسم، وبروز سلاح النفط العربي وقيمته وأهميته، وتعظيم دور الموارد الطبيعية الحيوية لما تشكله من أداة ضغط استراتيجية قادرة على شل اقتصاد الغرب بالكامل. وما ترتب على هذا من تغير الاستراتيجية الأمريكية تجاه مصر والشرق الأوسط، هذا فضلًا عن اهتزاز التماسك الغربي بعنف.
إذن، هل استوعبنا الدرس الذي أدّاه الجيش المصري في السادس من أكتوبر 1973؟
هذا سؤال لا بد وأن تجيب عنه الأجيال التي جاءت بعد السادس من أكتوبر.
تحية تقدير واحترام إلى جيش مصر الباسل في احتفاله بهذا اليوم.