تواجه السعودية تحديات أمنية متصاعدة في ظل الهجمات الحوثية التي تستهدف أراضيها ومنشآتها الحيوية، وسط تساؤلات بشأن طبيعة الدعم الأمريكي الذي تتلقاه الرياض، وحدود قدرة هذا الدعم على احتواء التهديدات، في وقت تتداخل فيه حسابات الأمن الإقليمي مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المرتبطة بأمن الخليج والبحر الأحمر.
وفي هذا السياق، يبرز موقف واشنطن التي تسعى إلى تعزيز قدرات حليفتها السعودية دفاعيًا واستخباراتيًا، دون الانخراط المباشر في مواجهة عسكرية واسعة مع الحوثيين. وللوقوف على أبعاد هذا الموقف، تحدث «موقع القصة» إلى الدكتور ميسرة مصطفى بكور، مدير المركز العربي الأوروبي للدراسات في برلين، الذي تناول طبيعة الدعم الأمريكي للرياض، وحسابات واشنطن في تجنب الحرب المباشرة، وانعكاسات الهجمات الحوثية على أمن السعودية والملاحة الدولية.
دعم عسكري واستخباراتي لتعزيز الدفاعات السعودية
قال الدكتور ميسرة مصطفى بكور، مدير المركز العربي الأوروبي للدراسات في برلين، إن الدعم الأمريكي للسعودية يستند إلى شراكة عسكرية وأمنية ممتدة، تشمل التسليح والدفاع الجوي والإنذار المبكر وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إلى جانب التدريب والصيانة والإسناد الفني واللوجستي، مشيرًا إلى أن هذه الأدوات تعزز قدرة الرياض على التعامل مع التهديدات الحوثية دون أن تعني بالضرورة مشاركة القوات الأمريكية مباشرة في العمليات العسكرية.
وأضاف بكور أن تصوير السعودية باعتبارها دولة تفتقر إلى القدرة العسكرية وتعتمد بالكامل على القوات الأمريكية في الدفاع عن أراضيها لا يعكس طبيعة القدرات السعودية، إذ تمتلك المملكة قوة جوية متطورة وتسليحًا متقدمًا، لكن التحدي الأساسي يتمثل في طبيعة التهديد الحوثي، الذي تطور على مدار سنوات الحرب وأصبح يعتمد على الصواريخ والطائرات المسيّرة لإلحاق أضرار مؤثرة رغم التفوق العسكري السعودي.
وأوضح أن أهمية التعاون الأمريكي تكمن في تحسين قدرات الرصد والإنذار والاعتراض، وضمان استدامة منظومات الدفاع الجوي وتوافر الذخائر اللازمة، لافتًا إلى أن الهجمات الأخيرة على مطار الرياض تكشف أن امتلاك منظومات دفاعية متقدمة لا يوفر حماية مطلقة، خصوصًا في دولة واسعة المساحة تضم عددًا كبيرًا من المنشآت الحيوية.
وأشار إلى أن الرياض لا تبحث بالضرورة عن قوات أمريكية تخوض الحرب نيابة عنها، بقدر ما تحتاج إلى دعم يعزز قدرتها على حماية أراضيها ومطاراتها ومرافق الطاقة، وفي مقدمتها منشآت أرامكو، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي يتمثل في منع الحوثيين من تحويل الهجمات المتكررة إلى حرب استنزاف تستهدف الأمن والاقتصاد السعوديين على المدى الطويل.
حسابات واشنطن.. دعم الحليف دون حرب مفتوحة
وفيما يتعلق بأسباب تجنب الولايات المتحدة الانخراط المباشر في الحرب ضد الحوثيين، أوضح بكور أن واشنطن تدرك ارتباط أمن السعودية بمصالحها في الخليج، لكنها لا تريد تحويل المواجهة إلى حرب أمريكية جديدة في اليمن، في ظل الأعباء العسكرية والاستراتيجية المرتبطة بمواجهتها مع إيران.
وأضاف أن الدخول في عمليات واسعة ضد الحوثيين يتطلب موارد عسكرية إضافية، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى الحفاظ على قدراتها الجوية والبحرية ومخزوناتها الدفاعية، فضلًا عن أن التجارب السابقة أظهرت أن توجيه ضربات عسكرية مؤثرة إلى الحوثيين لا يعني بالضرورة إنهاء قدرتهم على مواصلة القتال.
ولفت إلى أن الحسابات الداخلية الأمريكية تمثل عاملًا إضافيًا في تحديد طبيعة التدخل، في ظل الضغوط المتعلقة بكلفة الحرب وأسعار الطاقة، وما قد يترتب على اتساع المواجهة أو ارتفاع الخسائر من أعباء سياسية على الإدارة الأمريكية.
وتابع أن الموقف الأمريكي لا يعني استبعاد التدخل العسكري بصورة نهائية، إذ إن اتساع نطاق الهجمات وتهديد المصالح الأمريكية قد يدفع واشنطن إلى إعادة حساباتها، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة قد تفضل توسيع مساهمة الحلفاء بدلًا من تحمل العبء العسكري منفردة.
وأكد بكور أن السيناريو الأقرب، وفق تقديره، يتمثل في استمرار الإسناد الأمريكي للسعودية مع إبقاء خيار الضربات المحدودة مطروحًا إذا تعرضت المصالح الأمريكية لمزيد من التهديد، موضحًا أن واشنطن تدرك قدرتها على استهداف الحوثيين، لكنها تدرك أيضًا أن إضعاف قدراتهم العسكرية لا يضمن إنهاء الصراع، الذي قد يتحول إلى استنزاف طويل الأمد.
الضغط على الاقتصاد السعودي والملاحة الدولية
وحول تأثير الهجمات الحوثية على أمن السعودية والمصالح الأمريكية في البحر الأحمر وباب المندب، قال بكور إن خطورة هذه الهجمات لا تقتصر على الأضرار العسكرية المباشرة، بل تمتد إلى الأمن الاقتصادي السعودي، إذ إن استهداف المطارات الدولية أو منشآت الطاقة يفرض ضغوطًا على قطاعات حيوية، وقد يؤثر في ثقة المستثمرين وشركات الطيران والمؤسسات الاقتصادية، حتى عندما تكون الأضرار المادية محدودة.
وأوضح أن تكرار التهديدات الأمنية يفرض تحديات على الخطط السعودية الرامية إلى توسيع السياحة واستقطاب الاستثمارات وتنفيذ المشروعات الاقتصادية الكبرى، بسبب الحاجة إلى تخصيص موارد إضافية لحماية هذه الأنشطة وضمان استمرارها.
وأضاف أن المخاطر تصبح أكثر حساسية عندما تطال منشآت أرامكو أو مرافق تصدير النفط، لأن أي اضطراب مؤثر في الإنتاج أو الإمدادات قد ينعكس على أسواق الطاقة العالمية.
وفيما يتعلق بالبحر الأحمر وباب المندب، أشار بكور إلى أن الحوثيين لا يحتاجون إلى إغلاق المضيق بالكامل لتعطيل حركة التجارة، إذ إن استمرار الهجمات أو التهديدات التي تستهدف السفن قد يدفع شركات الملاحة إلى تأجيل رحلاتها أو تغيير مساراتها، بما يرفع تكاليف النقل والتأمين.
وأكد أن هذه التطورات تمس المصالح الأمريكية والأوروبية والآسيوية، كما تؤثر في حركة التجارة عبر قناة السويس وإيراداتها، موضحًا أن تزامن الاضطرابات في باب المندب مع التوترات في مضيق هرمز يزيد الضغوط على تجارة الطاقة والسلع.
وشدد على ضرورة التمييز بين المخاطر المحتملة والآثار الفعلية، التي يمكن قياسها من خلال حوادث السفن وحركة العبور وقرارات شركات النقل والتأمين، معتبرًا أن إحدى أبرز قدرات الحوثيين تتمثل في فرض كلفة اقتصادية وأمنية تتجاوز حجم قوتهم العسكرية التقليدية.
حدود الدعم الأمريكي واحتمالات التدخل المباشر
وبشأن حدود قدرة الدعم الأمريكي على حماية السعودية، أوضح بكور أن هذا الدعم يستطيع تعزيز القدرات الدفاعية السعودية بدرجة كبيرة، لكنه لا يضمن منع جميع الهجمات، في ظل اتساع مساحة المملكة وتعدد منشآتها الحيوية، إلى جانب تطور الأساليب القتالية التي يعتمد عليها الحوثيون.
وأضاف أن هناك فرقًا بين إضعاف القدرات العسكرية للحوثيين وإنهاء التهديد بصورة مستدامة، إذ يمكن للضربات الجوية تحقيق نتائج عسكرية مؤثرة، لكنها لا تحسم وحدها صراعًا يرتبط بالسيطرة على الأرض والانقسامات اليمنية والدعم الإيراني.
وأشار إلى أن التدخل الأمريكي المباشر يظل احتمالًا مرتبطًا بتطورات الميدان، موضحًا أن استهداف القوات الأمريكية أو اتساع الهجمات على منشآت الطاقة والملاحة إلى مستوى تعتبره واشنطن تهديدًا مباشرًا لمصالحها قد يدفعها إلى تغيير حساباتها.
ولفت إلى أن هذا التدخل، إذا حدث، لا يعني بالضرورة الدخول في حرب واسعة، إذ يمكن أن يتخذ صورة عمليات عسكرية محدودة أو توسيع الدعم الدفاعي والاستخباراتي، مع استمرار الاعتماد على القوات السعودية واليمنية في العمليات الميدانية.
وأكد بكور أن السعودية بدورها تدرك أن استمرار التصعيد قد يرفع الكلفة الأمنية والاقتصادية ويعقد فرص التسوية السياسية، مشيرًا إلى أن المعضلة الأمريكية لا تتعلق فقط بالقدرة على توجيه الضربات، بل بمدى قدرتها على تحقيق تراجع مستدام في التهديد دون فتح جبهة جديدة في ظل استمرار المواجهة مع إيران.
المظلة الأمنية الأمريكية.. حماية الحلفاء أم حسابات المصالح؟
وفي تقييمه لطبيعة العلاقة الدفاعية بين واشنطن والرياض، قال بكور إن الولايات المتحدة تحمي حلفاءها عندما ترى أن أمنهم يرتبط بمصالحها الاستراتيجية، لكنها لا تتعامل مع جميع التهديدات التي يواجهونها باعتبارها حروبًا أمريكية تستوجب التدخل المباشر.
وأوضح أن السعودية تمثل شريكًا استراتيجيًا مهمًا لواشنطن، بالنظر إلى ثقلها الاقتصادي والسياسي ودورها في أسواق الطاقة وأمن الخليج، لكن قوة الشراكة الدفاعية لا تعني التزامًا تلقائيًا بخوض الحرب، ولا تعني أن الرياض تستطيع تحديد حجم التدخل الأمريكي وتوقيته.
وأضاف أن السعودية تنظر إلى الحوثيين باعتبارهم تهديدًا مباشرًا لأمنها الوطني واستقرارها الاقتصادي، بينما تتعامل واشنطن مع الملف اليمني ضمن حسابات أوسع تشمل إيران وأسواق الطاقة والالتزامات العسكرية وكلفة الحرب داخليًا وخارجيًا، وهو ما يفسر استعدادها لتقديم دعم دفاعي واستخباراتي، مقابل تحفظها على تحمل مسؤولية حرب يمنية مفتوحة.
وأشار بكور إلى أن الأزمة تكشف حدود المظلة الأمنية الأمريكية، لكنها لا تعني تراجع أهمية السعودية في الحسابات الاستراتيجية لواشنطن، لافتًا إلى أن الرياض تسعى إلى تنويع شراكاتها الدفاعية، ولا سيما مع تركيا وباكستان، في إطار مساعيها لتوسيع خيارات الدعم والردع.
وأكد أن تنويع الشراكات لا يعني بالضرورة الاستغناء عن الولايات المتحدة، وإنما توسيع هامش القرار السعودي وتقليل الاعتماد على مصدر واحد للحماية، موضحًا أن الأثر الفعلي لهذه الشراكات سيظل مرتبطًا بحجم القدرات التي تدخل الخدمة وطبيعة الالتزامات التي ينفذها الشركاء.
واختتم بكور بأن التحالف الأمريكي السعودي يظل مهمًا للطرفين، لكنه لا يمنح أيًا منهما سلطة مطلقة على قرارات الآخر، إذ تحدد واشنطن مستوى تدخلها وفق مصالحها وأولوياتها، بينما تتحمل السعودية المسؤولية الأولى عن أمنها الوطني، معتبرًا أن الاختبار الحقيقي لأي تحالف استراتيجي يتمثل في قدرته على تعزيز أمن الشريك وتمكينه من مواجهة التهديدات، لا في افتراض استعداد أحد الطرفين لخوض جميع الحروب نيابة عن الآخر.