بين حرائق المساجد في نابلس و طولكرم ورسائل “السجود الملحمي” على جدران الأقصى، لم يعد التصعيد في الضفة الغربية مجرد اعتداءات عابرة، بل يتكشف كخطة ممنهجة تقودها الحكومة الإسرائيلية لتقويض المقدسات وتحويل الصراع الميداني إلى “مواجهة دينية شاملة” ومع تدفق مئات الآلاف من قطع السلاح إلى أيدي المستوطنين وضغوط بورصة الانتخابات في تل أبيب، تقف الضفة اليوم على سفيح ساخن يهدد باندلاع انتفاضة لا يمكن احتواؤها.
فهل ينجح الشعب الفلسطيني في امتصاص هذا المخطط الدموي، أم أن استهداف دور العبادة سيفجر نقطة التحول الكبرى التي تخشاها المنطقة وتتحسب لها السلطة الفلسطينية؟
اعتداءات المستوطنين “روتين يومي”
قال الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، في حديثه لـ”القصة”، إن ما يقوم به الاحتلال الإسرائيلي و ومستوطنوه خلال الأيام الماضية أصبح روتيناً يومياً للاعتداء على القرى الفلسطينية، مؤكداً أن وتيرة الاعتداءات زادت بشكل واضح بسبب الاقتراب من الانتخابات الإسرائيلية التي تفصلنا عنها قرابة 92 يوماً.
وأكد الرقب أن وزراء مثل “سموتريتش” و”بن غفير” يرغبون في استمالة أصوات المستوطنين التي تُعد كتلة انتخابية مهمة تتراوح بين 600 ألف مستوطن من أصل كتلة استيطانية تصل لـ 900 ألف، ضمن إجمالي ناخبين بقرابة 7 ملايين، موضحةً أن هذه الكتلة حاسمة لإيصالهم إلى الكنيست، مما يدفعهم لفتح شهية المستوطنين لبناء المزيد من البؤر الاستيطانية.
وأضاف أستاذ العلوم السياسية أن الضفة الغربية تحتوي على ما يزيد عن 390 بؤرة استيطانية غير 192 مستوطنة، موضحاً طريقة التمدد البؤري التي تبدأ بخيمة ثم مبنى لتتحول إلى بؤرة زراعية أو رعاوية تطالب لاحقاً بالاعتراف بها كمستوطنة لتضم المستوطنات الكبرى، مؤكداً أنه لولا مقتل ضابط وحارس إسرائيليين لما رأينا اهتماماً عالمياً أو إثارة لهذه الاعتداءات اليومية التي تشمل الهدم و الشهداء.
460 ألف بندقية وإلغاء الاعتقال الإداري لليهود
وقال الرقب إن سكان الضفة الغربية يقدمون غيظهم و غضبهم ويحاولون امتصاص هذا التصعيد؛ لأن الإسرائيليين يرغبون في تحويل المواجهة إلى دموية للاعتداء بشكل أكبر، مؤكداً أن بن غفير وزع أكثر من 460 ألف بندقية آلية خلال 3 سنوات ونصف من حكمه على المستوطنين، بحيث لا يكاد خلو منزل أو شخص منهم من حمل السلاح.
وأكد الدكتور أيمن الرقب الأبعاد الميدانية الخطيرة لهذا التسليح عبر المحاور التالية:
غطاء القتل: التسليح المكثف يعطي مبرراً لعمليات القتل، ولولا أنهم جبناء لرأينا مجازر يومية أكبر من ذلك.
إلغاء الاعتقال الإداري لليهود: تم إلغاء الاعتقال الإداري للمتطرفين اليهود، مما زاد من نشاط تنظيمات مثل “شبيبة التلال” التي تعتدي يومياً على أطراف 530 قرية فلسطينية في الضفة لقضم أراضيها تدريجياً.
وأضاف أستاذ العلوم السياسية أن الاحتلال يهدف إلى دفع الفلسطينيين لمواجهة مفتوحة، بينما يحاول الفلسطينيون امتصاص ذلك، لكنه أكد في الوقت ذاته أن هذا الامتصاص الفلسطيني لن يدوم طوال الوقت.
تحويل الصراع إلى “عمق ديني” وموقف السلطة الفلسطينية المعقد
وأكد الرقب أن الصراع في شكله يبدو سياسياً لكنه في العمق صراع ديني، مشيراً إلى أنه عندما يتحدثون عن “إسرائيل الكبرى” أو يكتبون لأول مرة في اقتحامات المسجد الأقصى عن “الشيخ و المخلص” على الجدران و يؤدون “السجود الملحمي”، فإن ذلك يثبت أن المجموعة الحاكمة في تل أبيب ترغب في تحويل الصراع إلى صراع ديني لمواجهة إرهاب دولة منظم يطال المساجد والكنائس.
وقال الرقب إن ما يجري في غزة تم فصله عما يعد في الضفة الغربية بعد أن سحقت غزة بشكل كبير، مؤكداً أن السلطة الفلسطينية تحاول خلط الأوراق وهي متمسكة بشعرة أخيرة وهي التنسيق؛ لمنع انهيار الأمور بالكامل كي لا ينقض الاحتلال على ما تبقى منها و ينهيها.
واختتم أيمن الرقب حديثه لـ”القصة”، مؤكداً أن السلطة الفلسطينية في وضع لا تحسد عليه حيث لا تريد إغضاب الإسرائيليين وفي نفس الوقت تغضب الشعب الفلسطيني، في محاولة للحفاظ على الكينونة القائمة ومنع الهجوم الكبير، و أضاف مشدداً أن تغيير هذا الواقع المعقد يتطلب وجود “فدائيين” وزعيم فدائي وهو ما يفتقده المشهد الحالي.